الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لقَدِّرِها، وكثيرًا ما يتراخى السُّلْطانُ فيترُكُ الشرورَ لفِتَنِ متوهَّمةٍ، ويُقدِمُ أهلُ الغَيرةِ والحميَّةِ على دفعِ شرٍّ بقُدْرةٍ متوهَّمةٍ وفتنةٍ لاحقةٍ متحقِّقةٍ أعظَمَ، وهذا بابٌ يمضى فيه بتجرُّدِ وعِلمٍ، فلا يكفي فيه التجرُّدُ بلا عِلْمٍ، ولا يكفي فيه العِلْمُ بلا تجرُّدٍ.
دُخُولُ صُرُوحِ الشَّرِّ والفِتْنةِ:
أمَرَ اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم بهَجْرِ مسجدِ الضِّرَارِ وعدمِ القيامِ فيه بقولِه، {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} ؛ وذلك لأنَّ مقامَ القدوةِ يَختلِفُ عن مقامِ غبرِه، فتوجَّهَ الخطابُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن دونِ المؤمنينَ؛ لأنَّهم له تَبَعٌ، ثُمَّ قامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بهَدْمِه؛ وبذلك يُستأصَلُ شرُّه، ويتحقَّقُ كمالُ الكفايةِ للإسلامِ والمُسلِمينَ منه.
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبلَ ذلك يَغْشى نَوادِيَ المشرِكينَ وأعبادَهم مُنكِرًا عليهم كُفْرَهم وشِرْكَهم ومُخالفتَهم لأمرِ الله، ولمَّا كان في المدينةِ وقَوِيَ سُلْطانُهُ واشتَدَّ أمرُهُ، نهاهُ اللهُ عن المُقامِ في أماكنِ الشرِّ والفتنةِ؛ كمَسْجدِ الضِّرارِ؛ لاختلافِ الحالَيْنِ؛ حالِ القُدْرة، وحالِ العَجْز، وكلُّ صرحٍ للشِّرْكِ والفسقِ يدخُلُ في هذا الحُكْم، ومنها غِشْيانُ المَنابرِ الإعلاميَّةِ والمَحَافِلِ العامَّةِ والنوادي والمَجامِعِ؛ فإنه في حالِ العجزِ عن إزالتِها، فإنَّ دخولَها وغِشْيانَها على حالَتَيْنِ:
الحالةُ الأُولى: دخولُها للقيامِ بنقيضِ مقاصدِ الشرِّ الذي أُقيمَت له، فإذا كان المكانُ وُصِعَ للشِّرْك، فيَجِبُ عندَ دخولِهِ قصدُ النهي عن الشِّرْكِ؛ لأنَّ دخولَ القدوةِ لها بما يُخالِفُ هذا القصدَ الذي أُقِيمَت لَه يُعَدُّ تشريعًا، ويُعَدُّ سكوتُهُ تأبيدًا لها.
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَغشى نواديَ قريشٍ وقبائلِ العرب، فيَأْمُرُهم بالتوحيدِ وينهاهُم عن الشِّرْك، ويأمُرُ بأصولِ الفِطْرةِ العظيمة، ويَنهاهُم
عمَّا بدَّلوا منها، ولم يكُنِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعتادُ الإنكارَ عليهم بما يَعلَمُ حُرْمَتَهُ مِن أفعالِهم وأقوالِهم التي هي دونَ الشِّرْك، فكان يبدَأْ بالشرِّ مِن أعلاهُ، وَيَرِدُ إلى أشهَرِ أسواقِ العربِ يَعرِضُ دِينَهُ في عُكَاظ ومَجَنَّةَ وذي المَجَازِ؛ كما روى أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي الزُّبَيْر، عن جابرٍ؛ قال: مَكَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي المَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ:(مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الجَنَّةُ؟ )، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخرُجُ مِنَ اليَمَن، أَو مِنْ مُضَرَ - كَذَا قَالَ - فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيشٍ لَا يَفْتِنْكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيهِ بِالأصَابع (1).
وقَصَدَ هذه الأسواقَ؛ لأنَّها أشهَرُ أسمواقِ العربِ ومَجْمَعُهم، وإذا ذُكِرَت مَحامعُ العرب، كانتْ هذه الثلاثةُ أوَّلَها، وقد روى البخاريُّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال:"كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو المَجَازِ: أسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ"(2).
وكانتِ العربُ تَرقُبُ هذه الأسواقَ كلَّ عامٍ، وتتوافَدُ إليها، وتُظهِرُ الشِّرْكَ والفِسْقَ مقرونًا ببيعٍ وشراءٍ وإنشادِ شعرٍ، وقد كانت عُكاظٌ أعظَمَ تلك الأسواقِ ببنَ نَخْلَةَ والطائف، وأمَّا ذو المَجَاز، فكان خلْفَ عرَفةَ، وأما مَجَنَّةُ - بفتحِ الميمِ وكسرِها، وبفنحِ الجيمِ والنونِ المشدَّدةِ - فهو مكانٌ على أميالٍ يسيرةٍ مِن مكةَ بناحيةِ مَرِّ الظَّهْران، وقد كانتِ العربُ تُقِيمُ بسوقِ عكاظٍ شهرَ شوَّالٍ، ثم تتحوَّلُ إلى مَجَنَّةَ فتُقيمُ فيه عِشرينَ يومًا مِن ذي القَعْدة، ثم تتحوَّلُ إلى سوقِ ذي المَجّاز، وهو على يَمينِ القادمِ مِن عَرَفةَ مِن جهةِ المُغَمَّسِ.
وغِشْيانُ هذه المواضعِ قد يكونُ واجبًا على القدوةِ إذا كان لا يَصِلُ إلى الناسِ إلَّا بها، كما كان يَفعَلُهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
(1) أخرجه أحمد (3/ 322).
(2)
أخرجه البخاري (2050).