الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنْ رَضِيَ أهلُ الميراثِ بشهادةِ الشاهدَيْنِ؛ وذلك لأنَّهم يَعرِفونَ صِدْقَهما أو يَعرِفونَ مالَ المُوصِي كثرةً وقلةً ونوعًا، فإنَّهم يَترُكونَهما، وإنْ شكوا فيهما واتَّهَمُوهما فيَدفَعُونَهما إلى السُّلْطانِ لِيَمتحنَهما ويَستحلفَهما.
الحلف بعد الصلاة:
وقولُه تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} ، فيه تعظيمُ الحَلِفِ بعدَ الصلاةِ؛ لكونِه مُنصرَفَ العبادة، وقريبَ العهدِ بالخضوعِ للخالق، وأقرَبَ لذِكْرِ المَعادِ وخَشْيةِ اللِّقاء، وقد خَصَّ بعضُ السلفِ الصلاةَ بصلاةِ العصرِ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ وعبَيدَةُ السَّلْمَانُّي والشعبيُّ وابنُ جُبيرٍ والنخَعيُّ وقتادةُ (1).
وقال الزُّهْريُّ بعمومِ الصلاةِ في أيِّ وقتٍ أدرَكَها.
وإن كان الشهودُ مِن غيرِ المُسلِمينَ، فيَحلِفانِ بعدَ صلاتِهما في دِينِهما؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسِ (2)؛ لأن المرادَ تعظيمُ اليمينِ في نفسَيْهما، وحِفظُ الحقِّ بتخويفِهما وترهيِبهما مِن ربِّهما، وليس في ذلك إعانةٌ لهما على عِبادةِ غيرِ الله، ودَعْوَتَهما لإقامةِ صلاةٍ غيرِ صلاةِ المُسلِمينَ، وعبادةِ ربِّ غيرِ اللهِ؛ وإنَّما هو حفظٌ لحقِّ المُسِلِمينَ بعدَ صلاتِهم التي يُؤدُّونَها في دينِهم كما كانوا مِن قبلُ.
استحلافُ الكافِرِ:
وفي هذا: دليلٌ على جوازِ استحلافِ الكافرِ على ما يُعظِّمُهُ في دِينِه، والتنزُّلِ معه بما يُشعِرُهُ بِعَظَمةِ دِيِنةِ ومَعبدِهِ مِن عيرِ تصريحٍ.
(1) ينظر: "تفسير الطبري"(9/ 76 - 78)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(4/ 1230)، و "تفسير ابن كثير"(3/ 217).
(2)
"تفسير ابن كثير"(3/ 217).
ويُقسِمانِ على ما شَهِدَا ويبيِّنانِ أنَّهما بيَّنَا ولم يَكتُمَا لدُنيا ولا لرِشْوةٍ، ويكونُ ذلك عندَ الرِّيبةِ منهما؛ كما قال تعالى:{فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} ، ويسقِطُ عنهما ذلك التُّهمةَ؛ لأنَّه لا بيِّنةَ عليهما، والقولُ قولُهما.
ولا يثبُتُ في الوحيِ: أنَّ الشاهدَ يَحلِفُ على شهادتِهِ إلَّا في هذا الموضعِ.
وقولُه تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} ؛ وذلك بكتمانِهما للحقِّ، وأخذِ شيءٍ مِن مال الميِّت، {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}؛ أيْ: يقوم اثنانِ مِن أحَقِّ الورثةِ بالمالِ، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} أيْ: أحَقُّ بالقَبُولِ والأخذِ مِن كَذِبِهما وخيانتِهما؛ لعِلمِهما بحالِ الميِّتِ وما له وما عليه مما يجهلُ الكفَّارُ حالَهُ، ويُبيِّنانِ أنَّهما لم يَتعدَّيَا عليهما وَيَبهتاهُما بما ليس فيهما؛ وإنَّما لبُطْلانِ قولِهما على الميِّتِ؛ فلا يَتضرَّرُ صاحِبُ الحقِّ في مالِ مورِّثِه، وصاحِبُ الحقِّ مِن مالِ الميِّتِ؛ بدَيْنٍ أو رهنٍ أو هبةٍ وعطيةٍ؛ فإنَّ ذلك مِن الظُّلْمِ العظيمِ؛ وبذلك تُرَدُّ شهادةُ الكافرَيْنِ لشهادةِ المُسلِميْنِ مِن الورثةِ؛ لأنَّ اللَّه قال:{فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} ، فجعَلَ المُسلِمَينِ بدَلَ الكافرَيْنِ.
وإن كان الورثةُ قُصَّرًا صِغارًا واسْتُرِيبَ بشهادةِ الذِّمِّيَّيْن، فيقومُ مَقامَهما مِن عامَّةِ المُسلِمينَ ممَّن استرابَ بشهادةِ الذِّمِّيَّيْنِ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه (1).
* * *
(1)"تفسير الطبري"(9/ 102).