الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصحابِ الشكِّ والنِّفاق، وأشَدُّ العِلَلِ كشفًا لخفيِّ النِّفاقِ: العِلةُ الخفيَّةُ في الأمرِ الثقيل، والاتِّباعُ لهذا النوعِ مِن الأمرِ أعظَمُ، وامتثالُهُ مرتبةٌ عظيمةٌ، وأعلاها مرتبةُ الصِّدِّيقينَ.
الثانيةُ: قصورُ العقولِ عن استيعابِها، فإنْ كانتِ العِلَلُ كثيرةً متجدِّدةٌ في الأزمنةِ؛ تَغِيبُ في موضعٍ وزمانٍ وتَقوَى في غيرِه، أو دقيقةً ولدِقَّتِها لا تستوعبها العقولُ؛ فاللهُ يكتمُها رحمةً بالناسِ؛ حتى لا يَرُدُّوها بضعفِ عقلِهم عن استيعابِها.
* * *
تكرَّرَ النِّداء للمؤمِنينَ مع قُرْب العهدِ بنداءٍ مِثْلِه، وإذا تكرَّرَ النداءُ المتقارِبُ، دَلَّ على عِظمِ المُنادَى لأَجلِه.
وقد بيَّنَ اللهُ عِظَمَ شعائرِ اللهِ؛ فلا تُحِلُّوها وتَعْتَدُوا عليها، وقال ابنُ عبَّاسٍ:"شعائر اللهِ مناسكُ الحجِّ"، وبنحوه قال مجاهد وغيرُه (1)، والمرادُ بتحليلِها في قوله:{لَا تُحِلُّوا} ؛ يعني: لا تُغَيِّرُوا حُكْمَها وتُبدِّلُوه إمَّا بتشريعٍ وتبديلٍ قوليٍّ، أو تشريعٍ وتبديلٍ فِعليٍّ، فتتواطؤوا على التغييرِ والتبديلِ حتى يكونَ تشريعًا للناسِ ولو لم تَتلفَّظُوا به.
تعظيمُ الأشهُرِ الحُرُمِ:
وقوله: {وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} ؛ يعني: تعظيمَ الأشهرِ الحُرُم، وهي
(1)"تفسير الطبري"(8/ 22 - 23).
أربعةٌ؛ كما في قولِه في سورة التوبةِ: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [36]، وهي: ذو القَعْدَة، وذو الحِجَّة، ومحَرَّمٌ، ورَجَبٌ، ثلاثةٌ متتاليةٌ، وواحدٌ وحدَه.
وهذه الآيةُ عدَّها أحمدُ الآيةَ التي لم يُنْسَخْ غيرُهَا في المائدة، وأنَّ ما عداها مُحْكَمٌ (1).
وقد تقدَّمَ في سورة البقرةِ الكلامُ على الأشهُرِ الحُرُمِ وتعظيمِها وتحريمِ القتالِ فيها ومراحلِ نَسخِه، حتى نُسِخَ القتالُ وبَقِيَ التعظيمُ.
ويتفقُ العلماءُ خلا عطاءٍ ونَزْرٍ غيرِه على نسخِ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُم، وحكى الإجماعَ ابنُ جريرٍ (2) وغيرُه، وأمَّا تعظيمُها؛ فبالتشديدِ في ارتكاب المحرَّماتِ والإتيانِ بالطاعات، ولا يَلزَمُ مِن دلك: تحريمُ القتالِ فيها بمجاهدةِ المشرِكينَ ودفعِ الصائلِ والباغِي؛ لأنَّه مِن أعمالِ البِرِّ والطاعةِ؛ وذلك لقولِه في براءةَ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5].
وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قتالُهُ في الأشهرِ الحُرُمِ؛ حيثُ غزَا هوازنَ بحنينٍ وثقيفًا بالطائفِ في شهرِ ذي القَعْدةِ؛ كما في كُتُبِ الصحيحِ.
وأغْزَى أبا عامرٍ إلى أوْطَاسٍ في الشهرِ الحرامِ.
وغزوةُ ذاتِ الرِّقاعِ لثمانٍ خَلَوْنَ مِن شهرِ المحرَّم، وغَزَا بني قُريظةَ لسِبعٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدة، وغَزَا غَروَتَهُ في تَبُوكَ لخمسٍ خَلَوْنَ مِن رجبٍ.
وقد بايَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على قتالِ قريشٍ بَيْعةَ الرِّضْوانِ في ذي القَعْدة،
(1)"بدائع الفوائد"(3/ 99).
(2)
"تفسير الطبري"(8/ 39).