الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سُوْرَةُ يُونُس
سُمِّيَتْ بيُونُسَ لذِكْرِ يُونُسَ وقومِهِ وقريتِهِمْ فيها؛ وإلَّا فقد ذكَرَ اللهُ نبيَّه يونُسَ في سُوَرٍ عِدَّةٍ: باسمِهِ في النِّسَاءِ والأنعام، وفي سورةِ الأنبياءِ وصَفَهُ بذي النُّون، وبوصفِه بصاحِبِ الحُوتِ في الصَّافَّاتِ والقَلَم، وذكَرَ فيهما قِصَّتَهُ.
وكانتْ هذه السورة لبيانِ عَظَمَةِ آياتِ اللهِ بنوعَيْها: آياتِهِ المُنزَّلة، وهي قرآنُهُ، وآياتِهِ التي هي مخلوقاتُهُ، وهي الأفلاكُ مِن النجومِ والكواكبِ كالشمسِ والقمر، ومخلوقاتُهُ الأُخرى، كالبَرِّ والبحر، والسَّحابِ والنَّباتِ.
وفي هذا: بيانُ عِظَمِ التلازُمِ دينَ الآياتِ القرآنيَّةِ والآيات الكونيَّةِ في الحُجَج وبيانِ الحقِّ والردِّ على المُبطِلينَ، ومَن ملَكَ البصيرةَ بهما، قامتْ حُجَّتُهُ.
وقد كان الصحابةُ يُسمُّونَ سورةَ يُونُسَ السابِعةَ؛ كما صحَّ عندَ ابنِ أبي شَيْبَةَ في "مصنَّفِه"، وابنِ حِبَّانَ في "صحيحِهِ"، عن أبي سعيدٍ مَوْلَى أبي أسِيدٍ الأنصاريِّ؛ قال: "سَمِعَ عُثْمَانُ أنَّ وَفدَ أهْلِ مِصْرَ قَدْ أقْبَلُوا، فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَكَانَ فِي قَرْيَةِ خَارِجًا مِنَ المَدِينَة، أَو كَمَا قَالَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعُوا بِه، أَقْبَلُوا نَحْوَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيه، قَالَ: أَرَاة قَالَ: وَكَرِهَ أَنْ يَقدَمُوا عَلَيْهِ المَدِينَةَ، أَو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: ادْعُ بِالمُصْحَف، فَدَعَا بِالمُصْحَف، فَقَالُوا: افْتَحِ السَّابِعَةَ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ
سُورَةَ يُونُسَ السَّابِعَةَ، فَقَرَأَهَا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]، قَالُوا: أَرَأَيْتَ مَا حَمَيْتَ مِنَ الْحِمَى، آللهُ أَذِنَ لَكَ بِهِ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرِي؟ فَقَالَ: أَمْضِه، أُنْزِلَت فِي كَذَا وَكَذَا، وَأَمَّا الْحِمَى، فَإنَّ عُمَرَ حَمَى الْحِمَى قَبْلِي لإِبِلِ الصَّدَقَة، فَلَمَّا وُلِّيتُ زَادَت إبلُ الصَّدَقَةِ؛ فَزِدتُّ فِي الْحِمَى لِمَا زَادَ مِنْ إبلِ الصَّدَقَةِ" (1).
وكان بعضُ السلفِ يجعلُ سورةَ يُونُسَ مِن السُّوَرِ السَّبْعِ الطِّوَال، كما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ؛ كما روى سعيدُ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال" في قولِهِ:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87]، قال: هي الطُّوَلُ: البقرةُ، وآلُ عِمرانَ، والنِّساءُ والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ، ويُونُسُ.
رواهُ ابنُ الضُّرَيْسِ في "فضائلِ القرآنِ"(2)، وصحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ وغيرُهُ (3).
* قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5].
تقدَّمَ عندَ قولِهِ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] الكلامُ على الحِكْمةِ مِن الحسابِ بالأهِلَّة، وفي قولِهِ
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(37690)، وابن حبان في "صحيحه"(6919).
(2)
"فضائل القرآن" لابن الضريس (181).
(3)
"تفسير الطبري"(14/ 109)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2272).
تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] الكلامُ على الوسعةِ في استقبالِ القِبلةِ بِدَلَالةِ الشمسِ لا بضَبْطِ النجوم، وتقدَّمَ الكلامُ على مَنافِع الحسابِ وحدودِ الانتفاعِ منه عندَ قولِهِ تعالى:{وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} [الأنعام: 96].
* قال تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10].
تقدَّم الكلامُ على أحكام التحيَّةِ مفصَّلًا عندَ قولِه تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86]، وتقدَّمَ الكلامُ على شيءٍ من أحكامِ البَداءةِ بالتحيَّةِ عندَ قولِهِ تعالى:{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54].
وتقدَّمَ الكلامُ على التحيَّةِ بالإشارةِ استطرادًا عندَ قولِهِ تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41]، وتقدَّمَ الكلامُ على تحيَّةِ المصلِّي والسلام عليه عند قولِهِ تعالى:{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39].
وفي قولِه تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} استحبابُ حَمْدِ اللهِ بعدَ انتِهاءِ المَجالِس، وهذا وإنْ كان خَبَرًا عن أهلِ الجَنَّة، فإنَّه مِن أفعالِ الاختيارِ فيهم، وأفعالُ أهلِ الجَنَّةِ: إمَّا اختيارٌ،