الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بها، وألَّا يُصالِحوا عن دُنيا مَحْضةٍ؛ لا تَحفَظُ دِينًا، ولا تُقوِّي شَوْكةً للمُسلِمينَ؛ وإنَّما غايتُها زيادةُ متاعٍ وسرَفْ شَهْوةٍ، فتِلك مقاصدُ الحيوانِ لا الإنسان، وأصحابُ هذه العهودِ لا يَحفَظونَ مَنْزِلةَ الدِّينِ ولا يُعظِّمونَ حُرْمَتَه.
ولا يجوزُ للمُسلِمينَ أن يُعْطُوا أمانًا وعهدًا على دُنْيَا مَحْضَةٍ تُضِرُّ بالدِّين، ما لم تَكُنْ تلك الدُّنيا التي عاهَدُوا عليها تَحفَظُ مِن الدِّينِ مِن جهةٍ أعظَمَ مِمَّا تفوِّتُهُ مِن جهةٍ أُخرى؛ فذلك مَرَدُّهُ لِحِكْمةِ أهلِ العِلْم، ومعرفةِ أهلِ السِّياسةِ الصحيحةِ الصَّادِقةِ.
المُوجِباتُ لِنَقْضِ العهدِ:
وقد ذكَرَ اللهُ تعالى مُوجِبَينِ لقتالِ المعاهَدِينَ ونَبْذِ عَهْدِهم إليهم: الأولُ: نقضُهم لِما عاهَدوا عليه المُسلِمينَ؛ ممَّا كتَبُوهُ بأيدِيهم، أو نطَقُوه بألسنتِهم.
الثاني: طَعْنُهم في دِينِ المُسلِمينَ.
واختُلِفَ في كونِ الطَّعْنِ في الدِّينِ ناقِضًا لعهدِ مَن أمضى عهدَهُ الذي شارَطَ المُسلِمينَ عليه، والصحيحُ نقضُهُ؛ وذلك مِن وجوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ في ذِكْرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ تبيينًا لِعظَمِه، وأنَّه وإن لم يتضمَّنِ العهودَ المنصوصةَ المكتوبةَ بينَ المُسلِمينَ وعدوِّهم، فإنَّه كالمنصوصِ المبيَّنِ؛ فهو فوقَ كلِّ مكتوبٍ، وأعظَمُ مِن كلِّ ملفوظٍ مِن الشروطِ والبُنُودِ؛ نقد يتصالَحُ المُسلِمونَ معَ المشرِكينَ على دُنيا وعِصْمةِ دمٍ وحِفْظِ مالٍ، وهذه العهودُ المنصوصةُ ولو لم تُنقَضْ بعَيْنِها، فإنَّ الطَّعْنَ في دِينِ أهلِها أعظَمُ عليهم وأشَدُّ مِن نقضِها، وإنَّ إهدارَ دِينِ المُسلِمينَ أعظَمُ مِن إهدارِ دُنياهم، وقد رُوي عن ابنِ عمرَ؛ أنه مَرَّ به راهبٌ، فقيلَ له: هذا يَسُبُّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال ابنُ عمرَ: "لو سَمِعْتُهُ لَقَتَلْتُهُ؛ إنَّا لم نُعْطِهِمُ
الذِّمَّةَ على أن يَسُبُّوا نبيَّنا صلى الله عليه وسلم"؛ رواهُ الخلَّالُ (1).
ثانيها: أنَّ المؤمِنَ معصومُ الدَّم، ولو طَعَنَ في الدِّينِ لاستَحَقَّ القتلَ، فإذا كان كذلك والأصلُ في العِصْمةُ، فإنَّ الكافِرَ المعاهَدَ أَولى، وقد كان الأصل فيه استحلالَ الدمِ؛ وإنَّما استحَقَّ العِصْمةَ لعَهْدِه وأمانِه.
ثالثُها: أنَّ مَن نقَضَ شيئًا مِن شروطِ العهد، انتَقَضَ عهدُه، ولو كان لشيءٍ مِن لُعَاعةِ الدُّنيا، فإذا كان ذلك مُوجِبًا لنقضِ العهد، فإنَّ نقضَ العهدِ عندَ الطَّعْنِ في الدِّينِ مِن بابِ أَولى.
رابعُها: أنَّ العهودَ الدنيويَّةَ إن كانتْ تُضِرُّ بالدِّين، ولا تَحفَظُ عليه أعظَمَ ممَّا تُضَيِّعُهُ منه -: لم يَجُزْ للمُسلِمينَ إبرامُها مِن جهةِ الأصلِ؛ فإنَّ إبقاءَ العهدِ والأمانِ لِمَنْ أعلَنَ الطَّعْنَ في الدِينِ أعظَمُ مِن إبرامِ عهدٍ يتَضمَّنُ جبَ محرَّمٍ مجرَّدٍ لا يحقِّقُ أعظَمَ منه في الدِّينِ.
خامسُها: أنَّ الكُفَّارَ يقَعُ منهم مِن مخالَفةِ المُسلِمينَ في دِينِهم عَمَلٌ وقولٌ كثيرٌ، أكثَرُ مِن الطعنِ في الدِّينِ؛ كشُرْبِ الخمرِ والزِّنى وأكلِ لحمِ الخِنزيرِ والمَيْتة، وهذه الأشياءُ التي تقَعُ مِن جميعِهم أو مِن سَوَادِهم، لم يَذْكُرْها اللهُ في الآيةِ؛ فدَلَّ على أنَّ إظهارَها في ذاتِها لا ينقُضُ العهدَ، ولكنَّه يُوجِبُ العقوبةَ وإقامةَ الحدّ، فلو شرِبَ الخمرَ وأكَلَ المَيْتةَ ولحمَ الخِنْزيرِ في بيتِهِ وخاصَّةِ أهلِهِ وأهلِ دينِه، لم يُعاقَبْ بذلك، ولوأظهَرَهُ، لم يَكُنْ بإظهارِهِ ناقضًا للعَهْد، ولكنَّه موجِبٌ لإقامةِ الحدِّ عليه وتعزيرِه.
ولو لم يَكُنِ الطَّعْنُ في الدِّينِ وصفًا مؤثِّرًا في صِحَّةِ العهد، لم يَذكُرْهُ اللهُ؛ فإنَّ أهلَ الذِّمَّةِ قد يَبدُرُ منهم ما يُخالِفُ المُسلِمينَ أكثَرَ مِن سبِّ الدِّينِ والطَّعْنِ فيه؛ كشُربِ الخمرِ وتَبرُّجِ النِّساءِ وأكلِ لحمِ الخِنْزِير، وهم مأمورونَ بعدَمِ إطهارِ ما يُناقِضُ دينَ المُسلِمينَ، وأمَّا استِتَارُهُمْ
(1)"أحكام أهل الملل والردة"؛ من "الجامع لمسائل الإمام أحمد"(ص 256).