الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَقَالَ: (ضَعْهُ)، فَقَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، نَفِّلْنِيه، أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:(ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} (1).
معنى الأَنْفَالِ:
والأنفالُ: ما زادَ عمَّا في أَيدِي المُقاتِلينَ مِن مالٍ وعُدَّةٍ، فهم وجَبَ عليهم الجهادُ بما في أيدِيهِم، ثم رزَقَهم اللهُ فوقَ ذلك مِن العدوِّ مالًا، وكذلك فالمالُ المأخوذُ مِن الكفَّارِ زائدٌ عن شريعةِ اللهِ المفروضة، وهي قتالُهم وجهادُهم، فلم تكنِ الأنفالُ مقصودةً بعَينِها، ولا مطلوبةً في القتالِ بنفسِها.
وقد سمَّى اللهُ المالَ المأخوذَ مِن الكفَّارِ بأسماءٍ، منها: الأنفالُ، والغنائمُ، والفَيْءُ، والسَّلَبُ، والجِزْيَةُ، والخَرَاجُ، وبينَ هذه الأسماءِ عمومٌ وخصوصٌ؛ مِن جهةِ اللُّغة، وفي اصطِلاحِ الشرع، وقد يُطلَقُ بعُضُها على بعضٍ؛ ولهذا استُعْمِلَتْ في بعضِ نصوصِ الوحيِ والأثرِ بما يُفيدُ جوازَ كونِها على معنًى واحدٍ بِحَسَبِ السِّياقِ؛ كالفَيْءِ والسَّلَبَ والنَّفَلِ قد يُسمَّى غنيمةً باعتبارِ أنه غُنْمٌ غَنِمُوهُ مِن الكفار، وكالغنيمةِ والفَيْءِ والسَّلَبِ قد يسمَّى نَفَلًا باعتبارِ كونِهِ مِن المالِ الزائدِ عمَّا في أيدِيهِم عندَ قتالِهم؛ فامْتَنَّ اللهُ به عليهم، ومِن ما اختلَفَ قولُ السلفِ والأئمَّةِ في تعيينِ نوعِ المرادِ مِن الأنفالِ في هذه الآيةِ: فمنهم: مَن جعَلَهُ في كلِّ مالٍ يأخُذُهُ المُسلِمونَ مِن الكافِرِينَ بغيرِ قتالٍ؛ كالبعرِ الشاردِ والخيلِ الشاذِّ منهم إلى المُسلِمينَ، فجعلوا الزِّيادةَ هنا في المالِ ممَّا لم يكنْ بقتالٍ، فكان نافلةً فوقَ نافلةِ الغنيمة، والغنيمةُ
(1) أخرجه مسلم (1748).
نافلةٌ باعتارِ أنَّها قَدْرٌ زائدٌ عمَّا في أيدِيهِم؛ فصارَتِ الأنفالُ بمعنى الفَيْءِ عند الفُقهاءِ؛ كما صارَ كلُّ المالِ نَفَلًا، صحَّ أنَّ الأنفالَ هي كلُّ مالٍ مُغتنَمٍ مِن الكفارِ بقتالٍ أو غيرِهِ؛ عن ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ مِن أصحابِه.
وقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ: حملُ الأنفالِ على معنًى خاصٍّ، وهو ما يُعطيهِ الإمامُ الغارِيَ أو غيرَهُ مِن الغنيمةِ بعدَ قِسْمتِها (1).
وقد امتَنَّ اللهُ على المُسلِمينَ بحِلِّ الغنائمِ ولم تكنْ مباحةً مِن قبلُ لأحدٍ مِن الأُمَمِ؛ ولذا سمَّاها اللهُ نافلةً؛ لإظهاَرِ أنَّها ليستْ فيمَن قبَلَهم كذلك، فجاءتْ زائدةً على شريعةِ مَن سبَقَ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:(وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي)(2).
ومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ الخُمُسَ؛ لأنَّه قدرٌ زادَ عن المفروضِ للغازي؛ وبهدا قال مجاهدٌ (3)؛ وهو قولُ مالكٍ.
ومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ كلَّ ما زادَ مِن المالِ المضروبِ لبعضِ السَّرَايَا ممَّا تزيدُ به على الجيشِ المُقاتِلِ؛ لخصيصةٍ فيها؛ مِن شدَّةِ بأسٍ، وخطورةِ مكانٍ، وتتبُّعِ للعدوِّ وتربُّصٍ به، ويدخُلُ في ذلك سَلَبُ القتيلِ؛ فسُمِّيَ ذلك نَفَلًا؛ لأنَّه قَدْرٌ زائدٌ عن الغنيمةِ التي يَشْرَكُونَ فيها غيرَهم؛ صحَّ هذا المعنى عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ القاسمُ بن محمدٍ عنه؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ والطبري (4).
ويَلحَقُ بهذا المعنى كلُّ زيادةٍ يَريدُها الإمامُ لأحدٍ مِن المُقاتِلِينَ لخصيصةٍ استحَقَّ بها ذلك؛ فإنَّه يجوزُ للإمامِ أنْ يَزيدَ العطاءَ للسَّريَّةِ أو
(1)"تفسير الطبري"(11/ 9)، و "تفسير ابن كثير"(4/ 6).
(2)
أخرجه البخاري (335)، ومسلم (521).
(3)
"تفسير الطبري"(11/ 10).
(4)
"تفسير عبد الرزاق"(2/ 108)، و "تفسير الطبري"(11/ 9).
للجيشِ أو لبعضِهم؛ لخصيصةٍ فيه، لا لمجرَّدِ الهوى والقُرْبَى؛ ففي "الصحيحَيْنِ" عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سِهَامُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِرًا، أَو أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا (1).
فجعَل النافلةَ ما زادَ عن سِهَامِهم في الغنيمةِ؛ وذلك أنَّ الأنفالَ هي كلُّ إحسانٍ وفضلٍ فعَلَهُ فاعلٌ لأحدٍ تفضُّلًا منه عليه مِن غيرِ أنْ يجبَ ذلك على الفاعل، وسُمِّيَ ما أُعطِيَ فوقَ الغنيمةِ نَفَلًا؛ لأنَّه قَدْرٌ زادَ به على غيرِه مِن الجيشِ.
ومنهم: مَن خصَّصَ الغنيمةَ بما أُخِذَ بقوَّةٍ وغَلَبةٍ وقتالٍ وقهرٍ للمُشرِكِينَ، وما خرَجَ عن ذلك كالبعيرِ الشاردِ والفرسِ الشاذّ، فكلُّه نَفَلٌ؛ صحَّ هذا عن عطاءٍ (2)، وبه فسَّرَهُ أبو عُبَيْدٍ القاسمُ بن سلَّامٍ.
وهذا قد يُرادُ في الآية، لا في جميعِ مواضعِ ما سمَّاهُ الشارعُ نَفَلًا؛ فقد كانتِ الغنيمةُ تُسمَّى نَفَلًا؛ كما في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ قال:"قَسَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم النَّفَلَ: لِلْفَرَسِ سَهْمَيْن، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا"(3).
ومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ هي الخُمُسَ فقطْ، وجعَلَها معلومةً قبلَ آيةِ الغنيمة، وأنَّ السؤالَ كان عنها؛ صحَّ هذا مِن مُرسَلِ مجاهدٍ، رواهُ عنه ابنُ أبي نَجِيحٍ (4).
ومَن نظَر إلى معنى الأنفال، وجَدَ أنَّ لها معنًى خاصًّا ومعنًى عامًّا،
(1) أخرجه البخاري (3134)، ومسلم (1749).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 7).
(3)
أخرجه البخاري (4228)، ومسلم (1762).
(4)
"تفسير الطبري"(11/ 10).
كما ورَدَ المَعْنيانِ عن الصحابةِ كابنِ عبَّاسٍ وغيرِه، وأنَّ معانيَ الأنفالِ تتحقَّقُ جميعًا في كثيرٍ مِن النصوصِ مِن جههٍ اللُّغةِ وسياقِ الآيات، وإنْ كانتْ بعضُ سياقاتِ الآياتِ والأحاديثِ تعيِّنُ أحدَ هذه الأنواع؛ كالغنيمةِ بأنَّه ما أُخِذَ بقتالٍ؛ فذلك لا يُخرِجُها عن دخولِها فيما تشترِكُ فيه مِن المعاني؛ كالنفقةِ والصدَقةِ والزَّكاة والهِبَةِ والعطاء، وكلُّها مَعانٍ تشتركُ في معنًى، وتختلفُ كلُّ واحدةٍ عن الأُخرى بنوعٍ يختصُّ بها، وقد يتَّفقُ بعضُها مع بعضٍ في المعنى في بعضِ المواضعِ مِن القرآنِ كالنفقةِ والصدقةِ؛ فهي شاملةٌ لذلك كلِّه في كثيرٍ مِن مواضعِ القرآنِ والسُّنَّةِ.
وروى أبو داودَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال:"قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ: (مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَلَهُ مِنَ النَّفَلِ كَذَا وَكَذَا)، قَالَ: فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ، وَلَزِمَ المَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ فلَمْ يَبْرَحُوهَا، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيهِمْ، قَالَ المَشْيَخَةُ: كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ؛ لَوِ انْهَزَمْتُمْ لَفِئْتُمْ إِلَيْنَا، فَلَا تَذْهَبُوا بِالمَغنَمِ وَنَبْقَى، فَأَبَى الْفِتْيَانُ، وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَنَا، فأَنْزَلَ اللَّهُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} إلى قولِهِ: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5]؛ يَقُولُ: فَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا فَأَطِيعُونِي؛ فَإِنِّي أَعْلَمُ بِعَاقِبَةِ هَذَا مِنْكُمْ"(1).
وقد أعطى النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ بَدْرٍ مِن الغنيمةِ بعضَ مَن لم يُقاتِلْ ولم يحضُرِ القتالَ كعثمانَ بنِ عفَّانَ؛ لأنَّه تخلَّفَ بإذنِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يمرِّضُ زوجتَهُ ابنةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وأعطى طلحةَ وسعيدَ بنَ زيدٍ؛ لأنَّه بعَثَهما يَتجسَّسانِ على عِيرٍ لقريشٍ في طريقِ الشام، وهؤلاءِ مُهاجِرونَ، وأعطى مِن الأنصارِ أبا لُبَابةَ بنَ المُنذِرِ؛ لأنَّه خليفتُهُ على المدينة، وعاصمًا، والحارثَ بنَ حاطبٍ، والحارثَ بنَ الصِّمَّة، وخَوَّاتَ بنَ جُبَيْرٍ، وكلُّ
(1) أخرجه أبو داود (2737).