الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واختُلِفَ في عددِ قومِ لوطٍ، وهل هم قريةٌ أو قُرَى متقاربةٌ؟ وليس في ذلك شيءٌ مرفوعٌ ثابتٌ، وعن السلفِ عددٌ متبايِنٌ جِدًّا، واللهُ أعلَمُ بذلك.
عقوبةُ فاعلِ اللوطيَّة:
وقد استدَلَّ بظاهرِ عقوبةِ اللهِ لقومِ لوطٍ في هذه الآيةِ وغيرِها مَن قال: إنَّ جزاءَ مَن عَمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرَّجْمُ، سواءٌ كان بِكْرًا أو ثيِّبًا؛ لأنَّ اللهَ عاقَبَهُم بقلبِ أرضِهِمْ ثم رجَمَهم.
وفي الاستدلالِ بهذه الآيةِ على حَدِّ الرجمِ نظرٌ؛ وذلك لأنَّ اللهَ عاقَبَهُمْ لاستحلالِهم لها، لا لمجرَّدِ الفعلِ؛ فقد كان منهم فعلُ الفاحشةِ وشيوعُها زمنًا قبلَ ذلك، ثم لمَّا أعلَنُوها في نَوَادِيهم وشرَّعُوها وعظَّمُوا ذلك وافتخَرُوا به، أرسَلَ اللهُ إليهم رسولًا، ثم عاقَبَهُمْ لمَّا عَصَوْهُ.
ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ فاحشةَ قومِ لوطٍ أعظَمُ مِن الزِّنى؛ ولذا لمَّا ذكَرَ اللهُ فاحشتَهُمْ، قال:{لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [العنكبوت: 28]، ولمَّا ذكَرَ الزِّنى، نَكَّرَ الفاحشةَ؛ كما في قولِهِ:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، فالتنكيرُ إشارةٌ إلى أنَّ الزِّنى فاحشةٌ مِن جملةِ الفواحش، وعرَّفَ فاحشةَ قومِ لوطٍ؛ لبيانِ أنَّها شاملةٌ لكلِّ فُحشٍ، وقد سمَّى الله نكاحَ زَوْجهِ الأبِ فاحشةً ومَقْتًا وساءَ سبيلًا، ولم يُسَمِّ اللُّوطيَّةَ مَقتًا؛ لأنَّ آيةَ نكاحِ زوجاتِ الآباءِ في سياقِ العقود، وذلك يتضمَّنُ تشريعًا واستِحْلالًا، كما تقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ عندَ قولِهِ تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22]، فهي مَقْتٌ مِن جهتَيْها، سواءٌ أكانتْ بعقدٍ؛ فهو استحلالٌ، أم كانتْ زِنًى؛ فهو إتيانُ ذاتِ مَحْرَمٍ.
وقد اختلَفَ العلماءُ في حَدِّ فاعلِ فعلِ قومِ لوطٍ، على أقوالٍ:
القولُ الأوَّلُ: ذهَبَ عامَّةُ السلفِ: إلى أنَّ فاعلَ فعلِ قومِ لوطٍ
يُقتَلُ، مُحْصَنًا وغيرَ مُحصَنٍ، وقد حكاهُ بعضُهُمْ عن الصحابةِ إجماعًا؛ كابنِ القَصَّارِ وابنِ تيميَّةَ، وهو قولُ جمهورِ الفقهاء، واختلَفُوا في صِفَةِ قتلِه؛ فقيل: يُرجَمُ، وقيل: يُرمَى مِن شاهِقٍ، وقيل: يُرمَى مِن شاهقٍ ثم يُتْبَعُ الحجارةَ كما فُعِلَ بقومِ لوطٍ؛ وقد صَحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (1) وغيرِه، وهو قولُ مالكٍ، وأحمدَ في المشهور، والشافعيِّ في قولٍ.
وبعضُهُمْ قال بقتلِهِ على أيِّ طريقةٍ ولو بالسيف، أو رميِهِ مِن شاهِقٍ، فلم يجعَلِ الرجمَ مقصودًا لذاتِه.
ولا يُحفَظُ مِن وجهٍ يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الصحابةِ: أنه قال بعدمِ قتلِ فاعلِ فعلِ فومِ لوطٍ؛ وإنَّما الخلافُ عنهم في صِفَةِ قتلِه؛ ومِن هنا اختلَفَ الفقهاءُ لأجلِ اختلافِهم:
فمنهم: مَن جعَلَ اتِّفاقَهُمْ كان على حَدٍّ، لا على تعزيرٍ.
ومنهم: مَن جعَلَ اتِّفاقَهُمْ على تعزيرٍ، لا على حدٍّ؛ لأنَّ اختلافَهُمْ في صفةِ قتلِهِ يُشعِرُ بأنَّه تعزيرٌ؛ فالأصلُ في الحدودِ: تعيينُ صفةِ القتلِ؛ كما في رجمِ الزَّاني والقِصَاصِ وشِبْهِهما.
وقد جاء في بيانِ حدِّ فاعلِ اللُّوطيَّةِ أحاديثُ مرفوعةٌ، مِن أشهرِها حديثُ عِكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ يَرفَعُهُ:(مَنْ وَجَدتُّمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفعُولَ بِهِ)؛ رواةُ أحمدُ، وهو في "السُّننِ"(2)، وفيه كلامٌ، وفيه عن أبي هريرةَ ومِن فعلِ أبي بكرٍ؛ وهي معلولةٌ.
وروى أبو داودَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ، يحدِّثانِ عن
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(28337)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 232).
(2)
أخرجه أحمد (1/ 300)، وأبو داود (4462)، والترمذي (1456)، وابن ماجه (2561).