الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصلِ؛ فإن مِن الكلابِ مَن يعتاد صاحبها إطعامها مِن صَيْدِها، فإن صادت، ربَّما أكَلَت ما تظن أن صاحبها أذِنَ لها منه.
قرائنُ قصد الجارحِ الصيدَ لنفسه:
ويَظهَرُ قصدُ الكلبِ بقرائنَ:
منها: إن أرسَلَهُ صاحبُه، فالغالبُ أنه يصيدُ لصاحبِهِ لا له، وإنِ انطلَقَ بنفسِهِ ولم يُؤمَرْ وليس في حالِ تحفُّزِ وتَحَرٍّ مِن صاحبهِ للصيدِ؛ فهذه قرينةٌ على أنه أرادَه لنفسِهِ إنْ أكَلَ منه.
ومِن القرائنِ: جُوعُ الكلبِ وشِبَعُهُ؛ فإن كان جائعًا وأكَلَ منه، فالغالب أنه صادَهُ لنفسِهِ.
ومن القرائنِ: طول الفصلِ بينَ صيده وأكلِه؛ فإنْ أكَلَ مباشرة عندَ الصيدِ؛ فهذه قرينة على أنه صادَ لنفسِه، وإن صادَ وانتظَرَ ثم أكَلَ، فالغالب أنه صادَ لصاحِبِه، واللهُ أعلَمُ.
وإن انطلَقَ الكلبُ أو الطير بنفسِه فصادَ، فجمهورُ العلماءِ: على أنه صادَ لنفسِهِ؛ فعلى هذا لا يَحِل ما مات مِن صَيْدِه.
وقولُه تعالى: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} ، فيه دليل على مشروعية التسميةِ عندَ إرسالِ الجارِحةِ المعلمة، وكذلك عندَ رميِ السهمِ أو إطلاقِ الرصاص، وعندَ الذبحِ بالاتفاقِ.
وجوبُ التسْمِية عِند إرسالِ الجارحِ:
وفي وجوبِ التسمية عندَ الإرسالِ وعندَ الذبحِ خلاف، على أقوال: الأوَّلُ: الوجوب؛ وهو قولُ أحمدَ الذي صَحَّحَه عنه غير واحدٍ؛ وبه قال أهلُ الظاهرِ.
الثاني: الاستحباب؛ وهو قولُ الشافعيِّ ومالك في إحدى روايتَيْه.
الثالث: فرقوا بين تركها عمدا وتركِها سهوًا؛ فإنْ تُرِكت عمدًا، لم تَحِل، وإن تُرِكَت سهوا ونسيانا، عُفِيَ عن ذلك؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والثوري ومالكٍ في روايتهِ الأخرى.
والأظهرُ: الاستحباب، والمرادُ بذِكرِ اسم اللهِ: الإهلالُ، وهو علامة على قصدِ الذبحِ للهِ لا لغيرِه، وليس الإهلالَ في ذاتِهِ قصدا كحالِ الإهلالِ في نسُكِ الحجّ، وإنَّما جاء ذِكْرُ اسمِ اللهِ بالأمرِ؛ لأن أهلَ الجاهلية يذكرون غيرَ الله، فأمَرَ اللهُ به؛ ليَظهَرَ قصدُ التوحيدِ؛ كما كانوا يُظهِرونَ قصدَ الشّركِ؛ وهذا ظاهرٌ في آيةِ الأنعامِ في قولِهِ:{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [118]، فذكَرَ الإيمانَ؛ لبيانِ أن المرادَ مخالَفةً نقيضِه، وهو شِرْكُ الذبحِ لغيرِ الله، وهو المرادُ بقولِه تعالى في مواضعَ:{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3، والنحل: 115]{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173].
ثم إن اللهَ أحَل طعامَ أهلِ الكتابِ بعدَ هذه الآية، ولم يَذكُرِ اشتراطَ تَسميَتهم عليها، وقد جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئِلَ: إن قَومَا يَأتُونَنَا بِاللحم لَا نَدرِي أَذَكَرُوا اسمَ اللهِ عَلَيْهِ أَم لَا؟ فَقَالَ: (سَمُّوا اللهَ عَليه، وَكلُوه)(1).
والمعروف مِن فُتيا الصحابةِ؛ كعلي وعائشةَ: أنهم يَمنَعونَ مِن ذبائحِ أهل الكتابِ عندَ سماعِهم يَذكُرونَ اسمَ غيرِ اللهِ عليها، ولم يَشترِطوا سماعَ التسميةِ ولا ذِكرَها، ولا يكاد يُعرَف مَن يُخالِفُهم من الصحابةِ والتابِعين.
ويأتي تفصيل ذلك في سورةِ الأنعامِ عندَ قولِهِ تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا
(1) أخرجه البخاري (2057)(3/ 54).