الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وما انتهَى إليه قومُ لُوط انتهَتْ إليه بعض دُوَلِ الغربِ في أوروبا وأمريكا اليومَ، فبَدَؤُوا بالمراحلِ نَفْسِها التي بدَأَ بها قومُ لُوطٍ، حتى آخِرِهِنَّ، فأقَرُّوا وشرَعُوا إتيانَ الذُّكورِ للذُّكور، والإناثِ للإناث، ووضَعُوا العقودَ والوثائقَ لذلك، وأمرُهُمْ سيَنتهِي إلى وَبَالٍ؛ سُنَّة اللهِ في أمثالِهم مِن الأُممِ.
حكمُ تسميةِ فاحشةِ قومِ لوطٍ بـ (اللُّوطيَّة):
وتسميةُ الفاحشةِ باللُّوطيَّة جائزٌ لا كراهةَ فيه، وهي نِسْبةٌ إلى قومِ لوطٍ، لا إلى لوطٍ، فقوم لوطٍ مركَّبٌ تركيبًا إضافيًّا، ولا يُمكِنُ تعريفُ الفاحشةِ إلَّا بالثاني؛ فأُضِيفَتْ إليه - فإنَّها لو نُسِبتْ إلى الأوَّلِ مِن المركَّبِ (قومِ لُوطٍ)، لقِيلَ في نسبتِها: قَوْميَّةٌ، والفاعلُ قَومِيٌّ - كما يُنسَبُ إلى عبد قَيْسٍ، فيُقالُ: القَيْسِيُّ، ويقولُ ابنُ مالكٍ:
وَانسُبْ لِصَدْرِ جُمْلَةٍ وَصَدْرِ مَا
…
رُكِّبَ مَزْجًا وَلِثَانٍ تَمَّمَا
إِضَافَةً مَبْدُوءَةً بِابْنٍ أَوَ ابْ
…
أَو مَا لَهُ التَّعْرِيفُ بِالثَّانِي وَجَبْ
وقد ورَدَتْ في بعضِ الأحاديث، وهي - وإنْ كانتْ لا تخلُو مِن عِلَلِ - الَّا أنَّ مجموعَها وروايةَ الرُّواةِ لها دليلٌ على جوازِ إطلاقِ تلك اللَّفْظة، ولو كانتْ تلك اللفْظةُ مُنكَرةً؛ لأنكَرَ أئمَّةُ العِلَلِ متونَ تلك الأحاديثِ؛ لوُرُودِ لفظٍ يَستقبحونَهُ فيها، وإعلالُهُمْ لأسانيدِها دونَ متونِها دليلٌ على عدمِ نَكَارةِ هذا الإطلاقِ.
وصحَّ إطلاقُ اللَّفْظةِ في كلامِ بعضِ الصحابةِ كابنِ عبَّاسٍ، وجاء عن عبد اللهِ بنِ عمرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وغيرِهم، وجماعةٍ مِن أجلَّةِ التابعينَ، واستفاضَتْ على ألسنتِهم؛ كابنِ المسيَّبِ وعطاءٍ والحسنِ والزُّهْريِّ وأتباعِهم ومَن بعدَهُم مِن الأئمَّةِ الأربعة، ولم يُنكِرْها أحدٌ منهم.
وعليها يُترجِمُ كثيرٌ مِن الأئمَّةِ عندَ الكلامِ على فاحشةِ قومِ لُوطٍ، فيُعبِّرونَ عنها باللُّوطِيَّةِ أو حَدِّ اللُّوطِيِّ ونحوِ ذلك، كما ترجَمَ على ذلك التِّرْمِذيُّ والنسائي وغيرُهما.
وإنَّما لم يُسَمِّها اللهُ بذلك في كتابِهِ؛ لأنَّ اللهَ حَكَى القصةَ حكايةً عن تلك الحال، ولم يُوصَفْ هؤلاءِ القومُ بقومِ لُوطٍ إلَّا بعدَ هَلَاكِهِمْ لاعتِبارِ الأمَمِ بهم وقيامِ الحُجَّةِ عليهم، فلم يكنْ حِينَها اسمُ نبيِّ اللهِ لُوطٍ عَلَمًا عليهم يُعرَفونَ به، فلم يكونوا يُقِرُّونَ بنُبُوَّتِه، ولم يكنْ أكثرُ الناسِ يَنسُبُونَهُمْ إلى لوطٍ، فيقولونَ في حياتِهم وحياةِ نبيِّهم: إنَّهم قَوْمُ لُوطٍ، وكان فِعْلُهُمْ يسمَّى فاحشةً في كلامِ الله، وكلامِ نبيِّه لوطٍ، لا في كلامِهم، ثم بعدَ هلاكِهِمْ واعتبارِ الأُمَمِ بهم، لم يكنْ يُسمَّوْنَ بعدَ ذلك إلَّا بقومِ لوطٍ، وفاحشتُهم نسبةٌ إلى اسمِهِمْ بعدَ شُيُوعِ تسميةِ اللهِ والأُممِ لهم بقومِ لوطٍ.
وما جَرَى على ألسنةِ خيرِ القرونِ واستفاضَ وشاعَ وذاعَ مِن غيرِ نكيرٍ: لا ينبغي لأحدٍ إنكارُهُ: لأنَّه في حُكْمِ الإجماع، والتنزُّهُ عمَّا أجمَعَ خيرُ القرونِ على جوازِه وعدمِ إنكارِه: لا يَلِيقُ بمَن عرَفَ قَدْرَ خيرِ القرونِ في العِلْمِ والدِّيانةِ والورعِ وتعظيمِ اللهِ وشعائرِهِ وتعظيمِ أنبيائِه.
وقولُ اللَّهِ تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} ، ذَكَرَ الله المطرَ والمرادُ به الحجارةُ؛ كما في قولِهِ تعالى:{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: 74]، وكانتِ الحجارةُ مِن طِينٍ؛ كما قال تعالى:{لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ} [الذاريات: 33].
وقد جعَلَ اللهُ عقوبةَ قومِ لوطِ بجعلِ عاليها سافِلَها، وإمطارِ الحجارةِ عليها؛ كما قال تعالى:{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} [هود: 82].