الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فعَلَا مكروهًا غيرَ مستحَبٍّ، وإنَّما كانتِ الكراهةُ؛ لأنَّه ثبَتَ في الشرعِ سُنِّيَّةُ التكبيرِ والتسبيحِ عندَ سماعِ ما يُفرِحُ ويُعجَبُ منه، ولأنَّه مِن خصائصِ النِّساءِ؛ كما في طاهرِ الحديثِ:(التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)؛ يعني: خارجَ الصلاة، فكان لهنَّ داخِلَها، فلم يكنْ في عُرْفِ الرِّحالِ إلَّا في الزمنِ المتأخِّر، وإنْ فعَلَهُ ونُسِبَ لآحادٍ وعوامَّ عن السابقِينَ.
وقد كان ابنُ عمرَ وأبو سلمةَ بن عبد الرحمنِ يُسألانِ عن التصفيرِ والتصفيق، فيَفْعَلانِ ذلك لبيانِه، ولو كان محرَّمًا بعَيْنِه، لَمَا جازَ فعلُهُ ولو لبيانِه؛ لأنَّ بيانَهُ بالكلامِ ممكِنٌ لكلِّ أحدٍ؛ كما رَوَى ابنُ جريرٍ، عن قُرَّةَ، عن عطيَّةَ، عن ابنِ عمرَ؛ في قولِه:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} ؛ قَالَ: "المُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ. وَقَالَ قُرَّةُ: "وَحَكَى لَنَا عَطِيَّةُ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ؛ فَصَفَّرَ، وَأَمَالَ خَدَّهُ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ" (1).
وأمَّا ما رواهُ ابنُ عساكرَ في "تاريخِه"، عن الحسنِ البصريِّ مرسلًا؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:(عَشْرُ خِصَالٍ عَمِلَهَا قَوْمُ لُوطٍ، بهَا هَلَكُلوا، وَتَزِيدُهَا أُمَّتِي بِخَلَّةٍ)، فذكَرَ الخِصالَ، ومنها التصفيقُ (2)، فلا يَثبُتُ، وهو مُنكَرٌ.
ويجوز للمرأةِ الزَّغْرَدَةُ والتصفيرُ؛ لجوازِ التصفيقِ لها، وجعَلَهُ بعضُ فُقهاءِ المالكيَّةِ في حُكْمِ ضربِ الدُّفِّ في إظهارِ النِّكاحِ.
التعبُّدُ للهِ بالألحانِ والآهاتِ:
أمَّا التعبُّدُ بالآهاتِ والألحان، وذِكْرُ اللهِ بها: فلا يُعرَفُ في القُرونِ المفضَّلةِ التعبُّدُ للهِ بالأذكارِ والأدعيةِ باللُّحونِ والآهات، وهذا ممَّا حدَثَ
(1)"تفسير الطبري"(11/ 163).
(2)
"تاريخ دمشق"(50/ 322).
في أوائلِ المئةِ الثالثةِ واشتهَرَ بعدَها، ولم يكنْ معروفًا في بُلْدانِ الإسلامِ التعبُّدُ به، ولا بالتصفيقِ والتصفير، ولا بالدُّفّ، ولا بصربِ القضيبِ.
ولمَّا ظهَرَ، أنكَرَهُ الأئمَّةُ مِن السلفِ، ولم يكنْ نهم مَن يعملُهُ، حتى كَثُرَ في الزُّهَّادِ المتصوِّفة، ثم كان في الصالحينَ، ثم اعتادَهُ بعضُ المتعلِّمِينَ، وقد أسنَدَ البيهقي في "مناقب الشافعيِّ" قولَهُ:"خَلَّفْتُ ببغدادَ شيئًا أحدَثَتْهُ الزَّنادقةُ يُسَمُّونَهُ التغبيرَ، يَصُدُّونَ به الناسَ عن القرآنِ"(1).
وتوسَّعَ الناسُ اليومَ في إنشادِ الأشعارِ حتى شابَهُوا أهلَ المعازفِ والطَّرَب، فيُسمُّونَها إنشادًا وحُدَاءً، وليستْ بحُدَاءٍ ولا إنشادٍ، وغرَّهُم في ذلك أنَّ الآلاتِ التي تُستعمَلُ فيها ليستْ معازفَ؛ وإنَّما مِن الأصواتِ الطبيعيَّةِ والتقنيةِ الحديثة، وهذا جهلٌ بأصولِ الشريعةِ التي لا تُفرِّقُ بينَ المُتماثِلات، والمعازفُ مِن الطبيعةِ؛ فهي مِن أغصانِ الشجرِ وأعوادِها، ومِن شَعَرِ بعضِ البهائمِ وجِلْدِها، وإنَّما اختلَفَتْ في طريقةِ إحراجِ الصوت، وأكثَرَ الناسُ منها حتى بلَغُوا حَدَّ التديُّنِ بها، واتُّخِذَتْ دعوةً للفُسَّاقِ والغافِلِينَ لها، وهذا مِن الصدِّ عن كلامِ اللهِ والتغنِّي به، وعن الوعظِ المشروع، ولا يُعلَمُ أنَّ فاسقًا وغافلًا صلَحَتْ حالُه بأناشيدِ الإطرابِ وآهاتِ الأحزانِ والأفراح، بل هي حرَفَتِ الصالحينَ إلى الغَفْلة، ولم تَجلِبِ الغافلينَ إلى الصلاحِ.
ومَن صلَحَتْ حالُهُ في الظاهرِ بتلك الأسباب، فغالبًا أنَّ باطنَهُ أجوَفُ مِن الإيمان، وقلَّما يثبُتُ، وربَّما يُظهِرُ مِن الصلاحِ ويُبطِنُ مِن ذنوبِ السَّرائرِ أشياءَ عظيمةً؛ لأنَّه لا يُثبِّتُ الإيمانَ في القلبِ إلَّا الوحيُ قرآنًا وسُنَّةً والوعظُ بهما، وبمِقْدارِ ما لدى الإنسانِ منهما يكونُ صلاحُهُ باطنًا، وبمِقدارِ نُقْصانِهما فما زاد مِن صلاحِ الإنسانِ الظاهرِ
(1)"مناقب الشافعي"(1/ 283).