الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ) (1).
الحالةُ الثانيةُ: مَن طلَبَها وسألَها لحظِّ الناس، فغايتُهُ نفعُ الناسِ وجَلْبُ الخيرِ إليهم، ودفعُ الضُّرِّ عنهم، كما فعَلَ يوسُفُ، وهذا الطلبُ بحسَبِ أحوالِ الناسِ وزمانِهم: فإنْ كان الزمنُ زمنَ استقرارِ حالِ ويقوم بالوِلَايةِ والعدلِ فيها مَنْ تولَّاها مِن سائرِ الناس، فالأَوْلى عدمُ طلبِها؛ لأنَّه قد يُدرِكُهُ مِن الغُرْمِ أكثرُ ممَّا يُدرِكُهُ مِن الغُنْمِ.
وإنْ كان الناسُ في زمنِ شرٍّ وفسادٍ وظُلمٍ وإقبالِ على هلاكٍ كما في مصرَ زمنَ يوسُفَ، فقد يجبُ على مَن عَلِمَ مِن نفسِهِ إنقاذَ الناس، وغلَبَ على ظنِّه ألَّا يُحسِنَ أحدٌ إحسانَهُ، ولا يَملِكَ مِن أمورِ النجاةِ مِثلَهُ، وبمِقْدارِ كثرةِ الشرِّ المدفوعِ يتأكَّدُ طلبُ الوِلاية، وبمِقدارِ قِلَّتِهِ يَخِفُّ، ودفعُ الشرِّ أعظَمُ مِن جلْبِ الخيرِ للناسِ! لأنَّ جلبَ الخيرِ يُحسِنُهُ الكثيرُ، ودَفْعَ الشرِّ وإصلاحَ الفسادِ والظُّلْمِ لا يُحسِنُهُ إلَّا القليلُ.
وبينَ هاتَيْنِ الحالتَينِ مَراتِبُ ودرجاتٌ دقيقةٌ، تَتفاوَتُ في مقاصدِ النفوسِ من طلبِ الوِلَايةِ بينَ حظِّ النَّفْسِ وحظِّ الناسِ.
طَلَبُ الوِلَايةِ في بلدِ الكُفْرِ:
لم تكن مصرُ في زمنِ يوسُفَ بلدَ إسلام، وقد بعَثَهُ اللهُ إلى قومٍ مُشرِكينَ فشَكُّوا في رِسَالتِه، ولم يُصدِّقوهُ في دَعْوتِهِ حتى مات؛ كما قال تعالى في سورةِ غافرٍ:{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34)} [غافر: 34].
(1) أخرجه البخاري (7149)، ومسلم (1733).
وإنَّما كلامُ السلفِ هو في إسلامِ عزيرِ مصرَ ومَلِكِها، وقد اختُلِفَ في إسلامِهِ:
لقد صحَّ عن مجاهدٍ: أنه أسلَمَ (1).
وذهَب جماعةٌ مِن العلماءِ ومِن النَّقَلَةِ عن بني إسرائيلَ: أنه لم يكنْ مسلمًا.
وعلى أحسَنِ أحوالِ مُلْكِهِ أنه كحالِ النَّجَاشِيِّ؛ مسلمٌ على قومٍ مشرِكينَ، كما في ظاهرِ الآيةِ أنَّ قومَه مُشرِكونَ، وإذا كان كذلك، فإنَّه لم يُظهِر إسلامَهُ كحالِ النَّجَاشِيِّ.
وقد أخَذ بعضُ العلماءِ جوازَ تَوَلِّي المسلمِ الولايةَ تحتَ حُكمٍ كافرٍ لإقامةِ العدلِ ودفعِ الظُّلْم، وإذا جازَ مِن النَّجَاشِيِّ ومِن مَلِكِ مصرَ - إنْ صحَّ إسلامُهُ - أنْ يحكُمَ قومًا كافرينَ، ولا يُظهِرونَ حُكمَهُمْ فيهم بحُكمِ اللهِ الظاهرِ لهم الذي به يَعرِفُ الناسُ إسلامَهم، فإنَّ جوازَهُ لِمَنْ تولَّى وِلايةَ صُغْرَى تحتَهُ مِن بابِ أَولى، فلو كان تحتَ النَّجَاشِيِّ والٍ يكتُمُ إسلامَهُ مِثلَهُ ولم يَعلَمْ أحدُهما بالآخَر، وتولَّى ليقومَ بالقِسْطِ ويَدفَعَ الظُّلْمَ، ويظُنُّ أن الملِكَ النَّجَاشِيِّ باقٍ على كفرِه، فإنَّه لا يصحُّ أن يُحْكَمَ بكفرِ مَن تحتّ النجَاشِيِّ ويُحكَمَ بإسلامِ النجَاشِيِّ نفسِه، فإنْ صحَّ للنجاشِيِّ الإسلامُ وحالُه تلك، فإنَّ صحَّتَهُ لِمَنْ دونَهُ مِن بابِ أَولى، بل إنَّ الأمرَ بيدِ النحاشِيِّ أَقْوى مِن يدِ مَن دونَهُ مِن أصحابِ الوِلاياتِ الصُّغرى.
وقد تولَّى بعضُ الأئمَّةِ كصلاحِ الدِّينِ الأيوبيِّ الوِزَارةَ في الدولةِ العُبَيْدِيَّة، وتولَّى جماعة القضاءَ فحكَمُوا بالعدلِ في زمنِ الدولة البُوَيْهِيَّةِ والعُبَيدِيَّة، ولم يحكُمِ الأئمَّة بكفْرِهم لمجرَّدِ كونِهم تحتَ وِلَايةٍ مشركةٍ،
(1)"تفسير الطبري"(13/ 222).