الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يجوزُ أنْ يَدفَعَ الغنيُّ ولا الإمامُ الزكاةَ ليَكسِبَ بها مَدْحًا لنَفْسِه، ولا أنْ يَدفَعَ بها ذَمًّا عنها، فيُعطِيَ مَن يَحمَدُهُ وَيمنَعَ مَن لا يَذْكُرُهُ، ويُعطِيَ مَن يذُمَّهُ ليُسكِتَهُ، ويُعطِيَ مَن يسكُتُ ليَنطِقَ بمَدْحِه، فهذا يحوِّلُ الزكاةَ مِن حقٍّ لِمَنْ أَعْطاه، إلى حقٍّ له يَشتري به هَوَاه.
مَصْرِفُ الفُقَراءِ والمساكِينِ:
قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} ؛ قدَّمَ الله في هذه الآيةِ الفقيرَ والمسكينَ؛ لأنَّهما أَولى بالعَطَاء، وأشَدُّ في الحاجة، وأنَّ الفقرَ والمَسْكَنةَ أوسَعُ وقوعًا في الناسِ مِن جميعِ المصارفِ التاليةِ؛ ولهذا قال طاوسٌ في قولِهِ تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} : هو الرَّأسُ الأكبرُ؛ رواة عنه ليثٌ؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ (1).
وعامَّة السَّلفِ: أنَّ المُسلِمينَ هم المقصودونَ بهذه الأصنافِ إلَّا سَهْمَ المؤلَّفةِ قلوبُهم، ورَوَى عمرُ بن نافعٍ، عن عِكْرِمهَ؛ أنَّ المرادَ بالفُقراءِ: مِن المُسلِمينَ، والمساكينِ: مِن أهلِ الكتابِ (2)، ورَوَى ابنُ أبي حاتيم في "تفسيرِه"؛ أنَّ الفُقراءَ زَمْنَى أهلِ الكتابِ؛ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ (3)، وهو مُنكَرٌ، يَرويهِ عن عمرَ بنِ الخطابِ: عمرُ بن نافعٍ، عن أبي بكرٍ العَبْسيّ، عن عُمَرَ؛ ولا يَصِحُّ.
الفَرْقُ بينَ الفقيرِ والمِسْكِينِ:
الفقيرُ شديدُ الحاجة، ومُنكَسِرٌ فَقَارُهُ لعَجْزِهِ وذُلِّه، والفقيرُ أحوَجُ مِن المسكين، في ظاهرِ اللُّغَةِ وظاهرِ الآيةِ وظواهرِ الأدلَّة، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَستعيذُ مِن الفقر، ولم يثبُتْ أنه استعاذَ مِن المَسْكَنة، ورُوِيَ أنه سأَلها؛
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1822).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 514).
(3)
"تفسير ابن أبي حاتم (6/ 1817).
كما يُروى عندَ التِّرمذيّ، مِن حديثِ أنسٍ (1)، وعندَ ابنِ ماجهْ (2)؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا:(اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا).
ومِن العلماءِ: مَن جعَلَ المَسْكَنةَ أشَدَّ مِن الفقرِ؛ لقولِهِ تعالى: {أَو مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16]؛ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ المَسْكَنةَ، وهو وصفٌ عامٌّ، وزادَ عليه وصفًا آخرَ، وهو قولُهُ:{ذَا مَتْرَبَةٍ} ؛ لبَيانِ شِدَّةِ ذلك؛ فدَلَّ على أنَّ وصفَ المَسْكَنةِ وحدَهُ، ليس كافيًا لبيانِ شدَّةِ الحاجة، وغلَبَتِهِ على وصفِ الفقرِ.
والفرقُ بين الفقيرِ والمِسْكِينِ مختلَفٌ فيه؛ لاختلافِ حدِّ كلِّ واحدٍ منهما في نفسِه، والأظهَرُ: أنَّ الفقيرَ الذي لا يَستطيعُ العيشَ بلا معونةِ الناس، وأمَّا المسكينُ فهو: مَن يستطيعُ العيشَ ولكن مع ضرَرٍ في حالِهِ وسُوءٍ في عَيْشِه، والمسكينُ مَن يَجِدُ عمَلًا وحاجةً تسُدُّ بعضَ عيْشِه، ولكنَّها لا تَكْفِيه؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى:{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79].
وفي "الصحيحَينْ"؛ قال صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَان، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَان، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى بُغْنِيه، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْه، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ)(3).
ومَن نظَرَ في النصوص، تحقَّقَ لدَيْهِ أنَّ الفقيرَ أسوَأُ حالًا مِن المسكين، وأنَّ الفقرَ والمَسْكَنةَ مُصطلَحانِ يتداخَلانِ في كثيرٍ مِن المعنى، وإنْ لم يتَطابَقَا؛ ولهذا قد يدخُلُ أحدُهما في الآخَرِ وينوبُ عنه، وقد يَفترِقانِ وقد يَجتمِعان، وقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ إلى المساواةِ بينَهما؛ كأبي يوسُفَ وابنِ القاسمِ وجماعةٍ مِن أصحابِ الشافعيِّ.
(1) أخرجه الترمذي (2352).
(2)
أخرجه ابن ماجه (4126).
(3)
أخرجه البخاري (1479)، ومسلم (1039).