الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في هذه الآيةِ: تعظيمُ المساجدِ أنْ تُبنى لغيرِ الله، ولو كانتْ في ظاهرِها أنَّها له؛ لأنَّها مَجمَعُ المؤمِنين، ودَلَالةٌ على توحيدِ ربِّ العالَمين، وهي بيوتُه، وأهلُها زُوَّارُه، فيجِبُ أنْ تُطهَّرَ عن كلِّ مَقصَدِ سوءٍ.
وقد بُنِيَ مسجدُ الضِّرَارِ بكيدٍ بينَ النصارى والمُنَافِقينَ؛ فقد كان في الخَزْرَجِ رجلٌ يُقالُ له: أبو عامرٍ، تنَصَّرَ وترهَّبَ وتنسَّكَ في الجاهليَّةِ بالنصرانيَّة، ولمَّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، وظهَر أَمْرُه، وقَوِيَتْ شوكتُه، غاظَهُ ذلك وتربَّصَ به الدوائرَ، وفَكَّرَ وقَدَّر، وقُتِلَ كيف قدَّر، ولَحِقَ بقُرَيْش يُحَرِّضُهم، ثَمَّ لَحِقَ بهِرَقْلَ وأَبْدَى نصرانيَّتَهُ، وأنَّه على مِلَّتِهم ويُريدُ الخَلَاصَ مِن مِلَّةِ محمدٍ، فكاتَبَ قومًا مِن المنافِقينَ بتلك المكيدةِ؛ لِيَبْنُوا المسجدَ ويكونَ مكانًا له يأمَنُ على مَن يُريدُهُ مِن المُنافِقينَ، ويَلتقِي بهم ويُمْلِي عليهم، ويَجمَعُ السِّلاحَ لقتالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، فبَنَوُا المسجدَ، وجاؤوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَلتمِسونَ برَكَتَه وتشريعَهُ للصلاةِ فيه؛ وفي هذا عِظَمُ تواطُؤِ المنافِقينَ مع اليهودِ والنَّصَارَى.
طُرُقُ المُنافِقينَ في حَرْبِ الإسلامِ:
وللمُنافِقينَ مسالكُ وطرقٌ في حربِ الإسلامِ والإضرارِ به، وإضعافِهِ وتشويهِ أهلِه، وجامعُ طُرُقِهِمْ في ذلك طريقانِ:
الطريقْ الأولُ: محاربتُهُ بالممنوع، وهذا الطريقُ يَسلُكونَهُ في حالِ قُوَّتِهم وأَمْنِهم، فيتَّخِذونَ وسائلَ ظاهرةَ المُحادَّةِ للإسلامِ مِن خارجِه؛ بإعانةِ الكفارِ مِن أهلِ الكتابِ وغيرِهم بالمالِ واللِّسَانِ وغَيرِ ذلك؛ كما يَفعَلُ مُنافِقو المدينةِ معَ يَهودِها، حينَما يَنصُرونَهُمْ ويُعَزِّرُونَهُمْ ويُثبِّتُونَهُمْ ويَعِدُونَهُمْ بالمُؤاخاةِ واتِّحادِ المصيرِ معَهم.
الطريقُ الثاني: محاربتُهُ بالمشروع، وهذا الطريقُ يَسلُكونَهُ في حالِ ضَعْفِهم وخَوْفِهم، فيتَّخِذونَ وسائلَ مشروعةً يُحسِنُ الناسُ الظنَّ بها، ويُقبِلونَ عليها؛ لِيُدخِلوا مِن خلالِها ما يُريدونَ مِن خُبْثٍ وشَرٍّ، وهذا يكونُ باستعمالِ وسائلِ الإسلامِ؛ كبناءِ المساجدِ وطباعةِ الكتبِ واستعمالِ أدلَّةِ التشريعِ المُشتبِهةِ لتسهيلِ مُرُورِ ما يُريدونَ مِن الشرِّ باسْمِ الإسلامِ؛ فإذا وجَدوا دليلًا مُشتبِهًا يَعْضُدُ شَرَّهم، تمسَّكوا به وأذاعُوه وأشاعُوه؛ ليتَترَّسوا به، وإذا وجَدُوا دليلًا صريحًا مُحْكَمًا يُعارِضُ هواهُمْ، كَشَحُوا بوُجُوهِهِمْ عنه.
وتعظيمُ المتشابِهاتِ اختبارٌ لموقفِ المُنافِقينَ مِنها؛ قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].
ومِن هذا الطريقِ بَنَوْا مسجدَ الضِّرَارِ؛ لمَّا عجَزوا عن حربِ الإسلامِ مِن خارجِه، بَدَؤُوا به مِن داخِلِه، مع ما في بناءِ المساجدِ مِن إنفاقِ مالٍ وجهدٍ، إلَّا أنَّهم بذَلُوا ذلك لجُمْلةٍ مِن المَقَاصِدِ الظاهرةِ والخفيَّةِ:
منهاة شَقُّ صفِّ جماعةِ المُسلِمينَ حولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في مَسجِدِهِ ومَجْلِسِه، وتدليسُهُمْ أنَّهم لم يَجْمَعوا الناسَ حولَهُمْ إلَّا لأجلِ عبادةِ الله، لا لأجلِ الدُّنيا، وإنَّما غايتُهم تعطيلُ ما يَدْعو إليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ وهذا ما لا يُدرِكُهُ أهلُ الغَفْلةِ والغَرَارةِ مِن المؤمنِينَ.
ومنها: أنَّهم يُريدونَ الانفِرادَ بالمؤمِنِينَ، فيَجلِسونَ إليهم، ويُحدِّثونَ بما يُريدونَ مِن الهوى والفتنة، ولا يَسْمَعُهُمْ أحدٌ كالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وخيارِ الصحابةِ وكبارِهم؛ لأنَّهم لن يتَخلَّفُوا عن الصلاةِ في مسجدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد كان للمُنافِقينَ وَجَاهَةٌ وظهورٌ أولَ الأمر، يَقُومُونَ ويتَحدَّثونَ ويُسمَعُ لهم قبلَ انكشافِ أمرِهم؛ كما كانا لِعَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ مقامٌ في مسجدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَخطُبُ فيه يومَ الجُمُعةِ قبلَ غزوةٍ أُحُدٍ، ويُذكِّرُ الناسَ ويَحُثُّهم على الاقتداءِ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم واتِّباعِه.
ومنها: أنَّهم يُريدونَ أن تكونَ لهم يدٌ عُلْيا على الإسلامِ وأهلِه، فيَثِقُ الناسُ بهم، ويقومونَ بقيادتِهم في مصالحِهم الأُخرى، وإذا قالوا، سُمِعَ لهم، يطمَعونُ في العلوِّ على الإسلامِ والهَيْمَنَةِ عليه بواسطةِ تشييدِ صُروحِه.
وهذا إذا كان في مَساجِدَ ظاهرةٍ وهي بيوتُ الله، فكيف مَكرُهم بما هو دُونَ ذلك مِن خِدْمةِ العِلم ونشرِ الخيرِ وتشييدِ وَسَائِلِ الإعلامِ وغيرِ ذلك، ممَّا هوأكثَرُ خَفاءً وأشدُّ لبسًا على المُسلِمينَ؟ !
قولُه تعالى: {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} ، فيه: أنَّ اللهَ دلَّلَ للنبيِّ والمؤمنينَ على سُوءِ قَصْدِ المُنافِقينَ بما سلَفَ مِن أفعالِهم وقُرْبِهم ممَّن يُحارِبُ اللهَ ورسولَه، وكانوا على قُرْبٍ ومودَّةٍ مِن أبي عامرٍ الراهب النَّصْرانيِّ عدوِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ؛ قال ابنُ عبَّاسِ ومجاهِدٌ وعُرْوةُ بن الزُّبَيْرِ وغيرُهم بأنَّه المقصودُ بقولِه:{وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} (1).
وفي هذا: أنه مِن العقلِ والحِكْمةِ سَبْرُ الأحوالِ السابقةِ للناسِ قبلَ الحُكْمِ على فعلٍ ظاهرٍ فعَلُوه، وعدَمُ فصلِ ما سبَقَ منهم عمَّا لَحِقَ؛ فإنَّ
(1)"تفسير الطبري"(11/ 676 - 677)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1880).