الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عامَّتِهم، ولا داوَمَ كبارُهُمْ عليه، فمِثْلُهُ يَشتهِرُ، ولعلَّهُ يقَعُ منهم تَوَاصِيًا بالحقِّ وتذكيرًا بحقِّ اللهِ بينَهما، لا دعاءً يَختَصُّ بالافتراقِ وختْمِ المَجالِس، ومِثْلُ هذا لو كان سُنَّةً، لَاستفاضَ بها العملُ، وتعدَّدتْ بها الطُّرُقُ؛ لكثرةِ الصحابة، وكثرةِ لقاءِ بعضِهم ببعضٍ، ولقاءِ الناسِ بهم مِن التابعِين.
ومِثْلُ هذا لا يَظهَرُ أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ، ولو فعَلَهُ، فالمقطوعُ به أنه لا يُدِيمُهُ؛ لأنَّ مِثلَهُ يُنقَلُ.
حُكْمُ رُكُوبِ البحرِ والغَزْوِ فيه:
ذكَرَ اللهُ تسييرَهُ لعبادِه في البَرِّ والبحرِ ممتنًّا بذلك عليهم، مذكِّرًا بنعمتِهِ ووجوبِ شُكْرِهِ وحقِّه بالعبادة، وذِكْرُ اللهِ للبحرِ وقَرْنُهُ السيرَ فيه بالبَرِّ: دليلٌ على أنَّ ركوبَ البحرِ كركوبِ البَرِّ مِن جهةِ إباحتِهِ وحِلِّه؛ وهذا له نظائرُ في القرآنِ؛ كقولِهِ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [الإسراء: 70]، وكقَرْنِهِ الاهتداءَ بالنجومِ لسائرِ البحرِ كسائرِ البَر في قولِهِ:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 97]، وقال:{أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [النمل: 63]، وجعَلَ رُكوبَهُ وتسخيرَهُ كرامةً للإنسانِ؛ كما في قولِهِ:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70]، وجعَلَههُ
مَحَلًّا لطلبِ المَنافِعِ كالبَرِّ في قولِهِ: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [البقرة: 164]، وقال:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل: 14]، وقال:{رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [الإسراء: 66]، وجعَلَ الابتغاءَ مِن فضلِهِ في البحرِ في هذه الآيةِ:{لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} كالابتغاءِ مِن فضلِهِ في البَرِّ لمَّا دكَرَ اللهُ الانصرافَ مِن صلاةِ الجُمُعةِ: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، وحَثَّ على ركوبِ البحرِ لرؤيةِ آياتِه؛ كما قال:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ} [لقمان: 31].
وذكَرَ اللهُ مَخاطِرَ البحرِ في مَواضِعَ، ولم يَنْهَ عن ركوبِه في سياقِ واحدةٍ منها؛ كما قال تعالى:{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأنعام: 63]، وقال:{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67].
والنهيُ الواردُ عن ركوبِ البحرِ لا يَثبُتُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم منه شيءٌ، فمِن ذلك ما رواهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو، مرفوعًا:(لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إلَّا حَاجٌّ، أوْ مُعْتَمِرٌ، أَو غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا)(1).
وبنحوِه أخرَجَهُ الحارثُ عن أبي بَكْرَةَ (2)، والبزَّار عن ابنِ عمرَ (3)؛ ولا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ.
وركوبُ البحرِ كركوبِ البَرِّ في حالِ استقامةِ الحالِ وعدمِ المَخاطِر، وعندَ المَخاطِرِ والمَخاوِفِ فيُكرَهُ ركوبُهُ، وقد يحرُمُ إنْ غلَبَ
(1) أخرجه أبو داود (2489).
(2)
أخرجه الحارث في "مسنده"(359).
(3)
أخرجه البزار في "مسنده"(البحر الزخار)(5897).
على الظنَّ الهلاكُ، وقد حكى ابنُ عبد البَرَّ الاتَّفاقَ على أنه يحرُمُ ركوبُهُ عندَ ارتجاجِه (1)، ويُروَى في "المُسنَدِ"؛ مِن حديثِ أبي عِمْرانَ الجَوْنِيَّ؛ قال: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَغَزَوْنَا نَحْوَ فَارِسَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ بَاتَ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَت لَهُ إِجَّارٌ فَوَتَعَ فَمَاتَ، فَبَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَّةُ، وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ فَمَاتَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَّةُ)(2).
أخرَجَهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ ثابتٍ، عن أبي عِمْرانَ، به؛ وابنُ ثابتٍ ضعيفٌ.
ولأنَّ البحرَ أخطَرُ مِن البَرَّ، وحِيلةَ الإنسانِ فيه ضيِّقةٌ، بخلافِ حيلتِهِ في البَرَّ؛ كان الغزوُ فيه أعظَمَ؛ لأنَّ الشَّدَّةَ والمشقَّةَ فيه أكبَرُ، فغزوُ البحرِ أفضَلُ مِن غزوِ البَرّ، وقد جاءتْ أحاديثُ كثيرةٌ في فضلِ غزوِ البحرِ وشهيدِهِ مِن حديثِ أبي أُمَامَةَ وأُمِّ حَرَامٍ وعائشةَ وابنِ عبَّاسٍ وعِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ وأبي الدَّرْداء، وهي متكلَّمٌ فيها.
وقد جاء تفضيلُ غزوةٍ في البحرِ على عَشْرِ غزَواتٍ في البَرِّ؛ رواهُ الطبرانيُّ، وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو (3)، وابنُ ماجَهُ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرداءِ (4)؛ ولا يصحُّ.
وقد جاء فضلُ الميِّتِ بالغرَق، وأنَّه شهيدٌ، ولو لم يكنْ في غزوِ البحرِ وشهيدِهِ إلَّا ما يجدُهُ مِن شِدَّةٍ وخوفٍ قبلَ نَزْعِ رُوحِه، لكانِ كافيًا، قميَّتُ الغرَقِ والحَرَقِ والهَدَمِ يُدرِكُهُ مِن بُطْءِ الموتِ ومُعالجتِهِ والهَلَعِ منه: ما لا يجدُهُ غيرُهُ، فهو يَزيدُ على ألمِ الاخضارِ ألمًا فوقَهُ.
(1)"الاستذكار"(14/ 287).
(2)
أخرجه أحمد (5/ 79).
(3)
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(3144)، وابن أبي عاصم في "الجهاد"(280)، والحاكم في "المستدرك"(2/ 143)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 334).
(4)
أخرجه ابن ماجه (2777).
وأَمْثَلُ ما جاء في فضلِ غزوِ البحرِ وهو صحيحٌ: ما رواهُ الشيخانِ؛ مِن حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه؛ أنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ عَلَى أُمَّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ - وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَطْعَمَتُهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ - أَو: مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ -)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ) - كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)، فَرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْر، فَهَلَكَتْ"(1).
* * *
قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)} [يونس: 87].
في هذا: إشارةٌ إلى أنَّ الإمامَ يَلِي أَمْرَ مَساكِنِ الناسِ؛ وذلك لأنَّه يَملِكُ مِن السُّلْطانِ والمالِ والقُدْرةِ واختيارِ النافعِ مِن المكانِ: ما لا يَملِكُهُ العامَّةُ، وأنَّه يَعرِفُ مِن المَصالِحِ والمَنافعِ لهم والمَخاطِرِ عليهم: ما لا يَعرِفونَهُ.
(1) أخرجه البخاري (2788) ومسلم (1912).
في قوله تعالى: {تَبَوَّآ} المرادُ بالتبوُّءِ: هو اتَّخاذُ موضعٍ يُسكَنُ فيه، والتبوُّءُ: تفعُّلٌ مِن البَوْءِ؛ يعني: الرجوعَ، ومعنى ذلك أنَّ صاحبَ الدارِ يَرجِعُ إلى موضِعِهِ كلَّما خرَجَ منه، وهو سَكَنُهُ، فقولُه، {تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا}؛ يعني: اجعَلَا قومَكما مُتَبَوِّئِينَ ببوتًا لهم.
وعلى السُّلْطانِ اختيارُ المُدُن، ووضعُ خِطَطِها ومنافعِهِمُ العامَّةِ منها، ووضعُ نظامٍ يَضبِطُهُمْ، كما وضَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحكامًا لحقَّ الجار، وغَرْزِ الخشبةِ في الجدار، وحَرِيمِ البئر، وأحكامًا للطُّرُقاتِ وحقوقِها.
وقولُه تعالى: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} القِبْلةُ هي الجِهةُ التي تُستقبَلُ، وقد اختُلِفَ في المرادِ بذلك لي هذه الآيةِ على أقوالٍ للسلفِ:
منها: استقبالُ الكعبةِ بالبيوتِ؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وقتادةَ (1)؛ وفي هذا أن الكعبةَ قِبْلةٌ لمُوسى ومَن معه.
ومنها: أنَّ المرادَ هو أداءُ الصلاةِ في البيوت، فلا تُترَكُ بلا صلاةٍ فتكونَ كالمَقابِرِ؛ وهذا مرويٌّ عن الضحَّاكِ والنخَعيَّ وابنِ زيدٍ (2).
ومنها: أنَّ المرادَ هو جعلُ البيوثِ مُتقابِلةً؛ فيَستقبِلُ الناسُ بعضُهم بعضًا في أبوابِهم؛ وهذا القولُ روايةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ (3)، وقولُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ (4).
* * *
(1)"تفسير الطبري"(12/ 257 - 259)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1977).
(2)
"تفسير ابن كثير"(4/ 289).
(3)
"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1977).
(4)
"تفسير الطبري"(12/ 260).