الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأول المقاصدِ الخزيُ؛ يعني: ما تعدَّى عليه في نفوسِ الناسِ مِن العارِ والاستنكارِ لفِعْلِه، وفي هذا دفعٌ وردعٌ لمَن يفعلُ كفِعْلِه، وكبحٌ لمَن يفكِّرُ في مِثْلِ عملِه، ودَوَرانُ خبرِ ما قام بالمحارِبِ مِن عقوبةٍ في الناسِ ولو في عقودٍ وأجيالٍ: ردعٌ لمِن يفعلُ أو يفكِّرُ في فعلِ مِثْلِ فِعْلِه.
وتتضمَّن الآيةُ جوازَ الحديثِ عمَّن أُقِيمَ عليه الحدُّ بفَعْلَتِهِ التي فعَلَ وبالعقوبةِ التي نزَلَتْ عليه؛ وليس هذا مِن الغِيبةِ؛ فهو مِن الخزي الموعود، وفيه ردعٌ للنفوسي المشابِهةِ له، شريطةَ أن يكونَ الحديثُ عن حالِه بالحقِّ والعدل، بلا ظلمٍ ولا بغيٍ ولا عدوانٍ.
تكفيرُ الذنوبِ بالحدودِ:
وذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك عقابَ الآخِرة، فقال:{وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ؛ وهذا لمَن أُقِيمَ عليه الحدُّ مِن الكافِرينَ، واختُلِفَ في أمرِ المُسلِم الذي يُصِيبُ ذنبًا، ثم يُعاقَبُ عليه الحدَّ في الدُّنيا: هل عقوبتُهُ تلك كَفَّارةٌ له أو لا؟ على قولَيْن: الأشهَرُ: أنه كفَّارةٌ له؛ وذلك لِمَا في "الصحيحَيْنِ"؛ من حديثِ عُبَادَةَ؛ قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِه، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْه، فَأَمْرُهُ إلى اللهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)(1).
وجاء نحوُه من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أخرَجَه أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجَه (2).
وقد جاء خلاف هذا مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَا أَدْرِي
(1) أخرجه البخاري (18)(1/ 12)، ومسلم (1709)(3/ 1333).
(2)
أخرجه أحمد (775)(1/ 99)، والترمذي (2626)(5/ 16)، وابن ماجه (2604)(2/ 868).
الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لأَهْلِهَا أَمْ لَا! ) (1).
وحديثُ عُبادةَ أصَحُّ، وفي حديث أبي هريرةَ عدمُ العِلْم، وظاهرُهُ: أنه سابقٌ للعِلْمِ الواردِ في حديثِ عُبادةَ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يقضي إلا بعِلْمٍ سابقٍ، ولمَّا لم يَقْضِ في حديثِ أبي هريرةَ دلَّ على انتفاءِ العِلْمِ وانتظارِ الوحي، ولمَّا جاء حديثُ عُبادةَ، دلَّ على مجيءِ الوحي به؛ قال تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3 - 4].
وعدمُ إخراج الشيخَيْنِ لِمَا يُخالِفُ حديثَ عُبادةَ قرينةٌ على إعلالِ الحُكْمِ المُخالِفِ له وردِّه بنسخِهِ أو ردِّ حديثِهِ بإعلالِه، وقد أعَلَّ البخاريُّ في "التاريخِ" حديثَ أبي هريرةَ بالإرسال، وقال:"المرسَلُ أصحُّ، ولا يَثبُتُ هذا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد ثبتَتَ أنَّ الحدودَ كفَّارةٌ"(2).
وقد قال الشافعيُّ: "لم أَسمَعُ في الحدودِ حديثًا أبْيَنَ من هذا"؛ يعني: حديث عُبادةَ (3).
ويقولُ بحديثِ عُبادةَ أنَّ الحَدَّ كفَّارةٌ ولو لم يَتُبْ صاحبُ الذنبِ منه: الثوريُّ والشافعيُّ وأحمدُ.
وقال بعضُ العلماءِ: باشتراطِ التوبةِ مع الحدِّ؛ لظاهرِ الآية: {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} ، والأصلُ: أنَّ التوبةَ تكفي في إسقاطِ الذنب ولو لم يُقَمِ الحدُّ فيمَن زَنَى أو سَكِرَ أو فعَلَ غيرَ ذلك ممَّا كان مِن حقِّ اللهِ؛ فلا حاجةَ لاشتراطِ التوبةِ مع إقامةِ الحدِّ؛ لتواتُرِ الأحاديثِ على ذلك، ولكنَّ الله ذَكَرَ العقوبةَ في الآخِرةِ والدُّنيا بالخزي لِمَنْ لم يَتُبْ ولم يُقَمْ عليه الحدُّ جميعًا؛ لعدم قيامِ مُوجِبِ
(1) أخرجه البزار في "مسنده"(8541)(15/ 176)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 36) و (2/ 14 و 450)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 329).
(2)
"التاريخ الكبير" للبخاري (1/ 153).
(3)
"الأم"(6/ 149).