الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعِبادَتِهِمْ وما يَستحِلُّونَهُ في دِينِهم، فلا يُؤاخَذونَ بذلك.
والطعنُ في الدِّينِ الذي يَنقُضُ عهدَهم العامَّ: ما بدَرَ مِن أميرِهم أو مَن يَنُوبُ عه ويمثِّلُهُ، أوأنْ يكونَ ذلك مِن عامَّتِهم لكنْ يُبرِزونَ قولَهُ ويُظهِرونَهُ ويَحْمُونَهُ ويَسْكُتونَ عنه مؤيِّدينَ له، وأمَّا انتقاضُ العهدِ الخاصّ، فيَنتقِضُ عهدُ الواحدِ منهم مِن عامَّتِهم لو خالَفَ عهدَ جماعتِه، فطَعَنَ في الدِّين، فيُؤخَذُ بنَفْسِه، ولا تَتحمَّلُ جَماعتُهُ نَقْضَه، فيَنتقِضُ عهدُ الخاصِّ لا عهدُ العامّ، ما لم يَظهَرْ تَواطُؤُهُمْ معَهُ وتأييدُهُمْ وحمايتُهُمْ له.
إعلان الطَّعْنِ في الدِّينِ وإسرارُهُ:
قولُه تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} ظاهرُ الآيةِ: دالٌّ على أنَّ المُؤاخَذةَ للمُعاهَدِ تكونُ في حالِ طعنِهِ في الدِّينِ عَلانيَةً؛ وذلك أنَّ الكفارَ يُعلَمُ مِن حالِهم غالبًا الطعنُ في الدِّينِ سِرًّا في مَجالِسِهم ونَوادِيهم الخاصَّةِ لا العامَّة، ولم يَكُنْ كفارُ قريشٍ يَحمَدونَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في أنفُسِهِمْ ولا في مَجالسِهِمْ، والنبيُّ وأصحابُهُ يَعلَمونَ ذلك عدَ توقيعِ الصُّلْحِ معَهم في الحُدَيْبِيَةِ وغيرِها، وقد أشارَ اللهُ إلى العلانيَةِ بتَسْميتِهِمْ:{أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} ؛ فهم كفارٌ في أصلِهم، فتَحوَّلُوا إلى أئمةٍ فيه؛ لأنَّ المُعلِنَ للشرِّ إمام فيه، وعقودُ المُسلِمينَ معَهُمْ تَستلزِمُ السكوتَ عن اللهِ ودِينِهِ وكتابِهِ ونبيِّه.
والذِّمِّيُّ الذي يَطعُنُ في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقتَلُ على الصحيحِ في قولِ أكثرِ العلماءِ؛ خلافًا لأبي حَنِيفةَ؛ فهو يَرى أنه لا يَنتقِضُ عهدُهُ بذلك؛ وإنَّما يُستَتابُ ويُعاقَبُ بما يراهُ الإمامُ؛ لأنَّه تمَّ عهدُهُ وهو كافرٌ به، وما هو عليه عندَ العقدِ هو ما هو عليه بعدَه.
ولكنَّ المُؤاخَذةَ للطاعنِ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم على قدرٍ زائدٍ عن مجرَّدِ الكفرِ وحَجْدِ النبوَّة، وهو الطعنُ والسبُّ وإظهارُ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ
ذلك بوصفِ الفاعِلينَ له بأئمَّةِ الكفر، لا مجرَّدِ أنَّهم كفَّارٌ، فقال:{فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} ؛ لأنَّ مُظهِرَ الطعنِ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَدعُو الناسَ إلى الاقتداءِ له والتمرُّدِ على هَيْبةِ الإسلامِ والمُسلِمينَ؛ لهذا كانوا أئمَّةً في الكفرِ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جهةِ تغليظِ كُفْرِهم؛ فالكفرُ دَرَكاتٌ، ومِن جهةِ أنَّهم قُدْوةٌ للكفارِ أن يُبْدُوا ما يُكِنُّونَهُ مِن حِقْدٍ وغِلٍّ على أهلِ الإسلامِ.
والعلماءُ يُفرِّقونَ بينَ أصلِ كفرِهِ الذي تمَّ العهدُ معَهُ وهو عليه، وبينَ طعنِهِ في الدِّينِ علانيَةً؛ ولذا قال مالكٌ:"مَن شتَمَ اللهَ مِن اليهودِ والنَّصَارى بغيرِ الوجهِ الذي كفَرَ به، قُتِلَ ولم يُستَتَبْ"(1).
وذلك أنَّ النَّصْرانيَّ كافرٌ بقولِهِ: "إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ"؛ وهذا قَدْرٌ معلومٌ مِن دِينِةِ عندَ عهدِه، يَجهَرُ به ويَعتقِدُهُ دِيَنًا له لو سألَهُ أحدٌ عنه، ولكنَّ الطعنَ الحادثَ منه في اللهِ ودِيِنِهِ وكتابِهِ ونبيِّهِ أمرٌ استَجَدَّ أُرِيدَ منه الطعنُ في دِينٍ وأمَّةٍ معلومةٍ؛ ولهذا قال تعالى:{وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ} .
وقد قتَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كَعْبَ بنَ الأَشْرَفِ وقد كان معاهَدًا بلا خلافٍ، ونقَصَ عهدَهُ بطَعْنِهِ في الدِّينِ؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم:(مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ؟ ! )(2).
ويدلُّ على أنَّ الطاعِنَ في الدِّينِ المجاهِرَ به لا أمانَ له، ولو بُذِلَ فهو مهدورٌ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أرسَلَ لكعبِ بنِ الأشرَفِ خمسةً مِن أصحابِه: محمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ، وأبا نائِلةَ، وعبَّادَ بنَ بِشْرٍ، والحارثَ بنَ أَوْسٍ، وأبا عَبْسِ بنَ جَبْرٍ، أرسَلَهم لِيَقتُلُوهُ غِيلةً، وقد خدَعُوهُ وأَظهَروا له المُوافَقةَ حتَّى تمكَّنوا منه فقتَلُوه؛ وذلك الفعلُ منهم دليلٌ على أنه لا يُمضَى عهدٌ لمِثْلِهِ أصلًا، ولو جَرى فهو باطلٌ، وأمَّا مَن يَجري لمِثْلِهِ العهدُ، فلو
(1)"الشفا" للقاضي عياض (2/ 627).
(2)
أخرجه البخاري (4037)، ومسلم (1801).