الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا
…
حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا
قَدْ كنْتُمُ وُلْدًا وَكُنَّا وَالِدَا
…
ثُمَّتَ أسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْرًا أَيِّدَا
…
وَادْعُ عبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُول اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا
…
إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا
فِي فَيلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا
…
إِنْ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا
…
وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصَّدَا
وَزَعَمُوا أنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا
…
وَهُمْ أذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَثِيرِ هُجَّدَا
…
فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا
قال ابن إسحاقَ: فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (نًصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنَ سَالِم)، فكان ذلك ما هاجَ فَتحَ مَكَّةَ (1).
وقد أسنَد الرِّوايةَ البيهقيُّ (2)، وأبو نُعَيْمٍ في "معرفةِ الصحابةِ"(3)، والبَزَّارُ في "مُسنَدِه"(4)، والطَّبرانيُّ (5)، وهي جيِّدةٌ، ورواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ (6)، والطحاويُّ (7)؛ مِن وجوهٍ مُرسَلةٍ.
القُوَّةُ والظُّهورُ وأثَرُها على مَوَاثِيقِ الحربِ:
وفي قولِ اللهِ تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} ، وقوله:{فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} : ظهورًا لقُوَّةِ والوعبدِ الدالٌّ على السُّلْطانِ والقوةِ التي كان
(1)"سيره ابن هشام"(2/ 390 - 395).
(2)
"السنن الكبرى" للبيهقي (9/ 233)، و"دلائل النبوة"(5/ 6).
(3)
"معرفة الصحابة" لأيى نعيم (4/ 2012).
(4)
"مسند البزار"(البحر الزخار)(8013).
(5)
"المعجم الكبير"(1052)، و"المعجم الصغير"(968).
(6)
"مصنف ابن أبي شيبة"(36900) و (36902).
(7)
"شرح معاني الآثار"(3/ 291، و 315).
عليها النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يَضرِب اللهُ الأَجَلَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم مع الكفارِ إلَّا لَمَّا ظهَرَت قوَّتُه، وكان في هذا الأجَلِ العامِّ إظهارٌ للكافرينَ أنه قادرٌ عليهم بعَوْنِ اللهِ ونَصْرِه.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المُعاداةَ الكاملَةَ لأُمَمِ الكُفْرِ لا تكونُ إلَّا في زمَن القُوَّةِ والظهورِ والتمكُّن، وقد كان النبيِّ صلى الله عليه وسلم قبلَ ذلك يُهادِنُ قومًا، ويُقاتِلُ آخَرينَ، بحسَبِ قُدْرَتهِ وتمكينِة، فلمَّا قدَرَ على الجميع، قاتَلَ الجميع، ومُعاداةُ جميعِ الكُفَّارِ زمَنَ الضعفِ هلَكةٌ، ولم يَفعَلْها النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا زمَنَ ظهورِه.
وفي هذه الآيةِ: ما يدلُّ على ما تقدّمَ تقريرُهُ في سورةِ الأنفالِ وغيرِها؛ أنه يجوزُ للإمامِ أن يكتُبَ عهدًا وميثاقًا سلميًّا عامًّا مقيَّدًا بزمَنٍ للأمَمِ كلِّها، ولا يكونُ مطلَقًا؛ حتَّى لا يتعطَّلَ به الجهادُ، وذلك المقدارُ بحَسَبِ ما يَرَاهُ المُسلِمونَ مُناسبًا لقوَّتِهم في مُقابِلِ قوَّةِ عدوِّهم.
وفي الآياتِ: رحمةُ اللهِ ونبيِّه بالناسِ؛ فلم يأمُرِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَهُ بقتلِ الكافرينَ فَوْرَ القُدْرةِ عليهم؛ وإنَّما كان إمهالُهُمْ لِيَتحقَّقَ بذلك الإعذارُ وقيامُ الحُجَّة، وإنْ دخَلُوا الإسلامَ، فيَدخُلُونَهُ عن يقينِ وبصيرةٍ، لا عن خوفٍ مجرَّدِ فيُنافِقونَ ويتَربَّصونَ بالمُسلِمينَ الدوائرَ ويكيدونَ بهم، ويَرتَدُّونَ عندَ القُدْرةِ على الرِّدَّة، فيعُظمُ شرُّهم، وتستطيرُ فتْنَتُهم.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على الوفاءِ بالعهودِ وأنواعِها وشروطِها ونَقْضِها في مَواضعَ مفرَّقةِ؛ منها عندَ قولهِ تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100]، وقولِهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208]، وقولهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1]، وقولِهِ تعالى: {الَّذِينَ
عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} [الأنفال: 56]، وقولِهِ تعالى:{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 72].
* * *
اختُلِفَ في المُرادِ بالأشهُرِ الحُرُمِ في هذه الآيةِ: هل هي التي حَرُمَ فيها القتالُ؛ ذو القَعْدةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ ورجَبٌ، أو هي الأشهُرُ الأربعةُ التي جعَلَها اللهُ أجَلًا للمشرِكِينَ كافَّةَ يُراجِعونَ أنفُسَهُمْ فيها، وهي أسْهُرُ التَّسْييرِ؟ !
اختَلَفَ الناسُ في ذلك على قولَيْنِ:
القولُ الأول: أنَّها الأشهُرُ الحرُمُ التي كان القِتالُ فيها محرَّمًا، وهي المقصودةُ بقولِهِ تعالى:{مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] وبهذا القولِ قال ابنُ عبَّاسٍ؛ رواهُ عنه علي بن أبي طَلْحةَ، وقال به الضحَّاكُ، ورجَّحَهُ ابنُ جَريرِ (1).
القولُ الثَّاني: أنَّها الأشهُرُ الأربعةُ المقدَّرةُ للمُشرِكينَ يومَ الحجِّ الأكبرِ خاصَّةً، وهي أشهُرُ التَّسْيِيرِ والسَّيْحِ في الأرض، فسُمِّيَت حُرُمًا؛ لأنَّ اللهَ حرمَ فيها قِتالَ أحَدٍ في تلك المُهْلَةِ خاصَّةً، وبه قال مجاهدٌ ومحمدُ بن إسحاقَ وقتادةُ وعبدُ الرحمنِ بن زيدٍ وغيرُهم (2).
(1)"تفسير ابن كثير"(4/ 110).
(2)
"تفسير ابن كثير"(4/ 111).
وقولُه تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} ، فيه الأمرُ بعدَمِ الاكتفاءِ بقتالِ المشرِكينَ المُحارِبينَ عندَ لقائِهم، واعتراضِهِمُ الطَّرِيقَ:{حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ؛ وإنَّما أمَرَ بالبحثِ عنهم وتَتبُّعِهِمْ في أماكنِ وجودِهم ولو كانوا مُستتِرينَ متخفِّينَ: {وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} .
وقد جعَل الضَّحَّاكُ هذه الآيةَ ناسِخةً ومنسوخةً؛ جعَلَها ناسخةً لكلِّ آيةٍ فيها ميثاقٌ مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم معَ أحدٍ مِن المُشرِكينَ (1)، ثم جعَلَها منسوخةً بقولِهِ تعالى:{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4](2).
ومِنهم: مَن قال بعَكْسِ ذلك؛ فجعَلَ هذه الآيةَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ناسخة لقولِهِ: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} [محمد: 4]؛ قالَة قتادةُ (3).
وفي إطلاقِ النَّسْخِ نظَرٌ، فالعمَلُ بالآياتِ مُحْكَمٌ، وكلُّ موضعٍ في سياقِهِ وحالِه.
وفي قولِهِ تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وفي الآيةِ التي تَلِيِها بآياتٍ:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]: دليلٌ على أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ واعتقادٌ، فلم يَعْتَبِرِ اللهُ تَوْبَتَهُمْ مقبولةً حتَّى يَستسلِموا ظاهرًا بعمَل، وهذا الذي عليه إجماعُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، وقد بيَّنَّا هذه المسألةَ في "العقيدةِ الخُرَاسانيَّةِ".
* * *
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1752).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 3489).
(3)
"تفسير الطبري"(11/ 349).