الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد جعَلَ اللهُ الأصلَ في بني آدمَ السَّتْرَ باللِّباسِ؛ فتَستتِرُ المرأةُ وتَتَزيَّنُ ولو كانتْ لا يراها أحدٌ، والرجُلُ يكونُ وحدَهُ ولو في فَلَاةٍ لا يراهُ أحدٌ يُحِبُّ أن يَستُرَ بدَنَهُ، فذلك استِتارٌ تُحِبُّهُ النفسُ، وهي مفطورةٌ عليه، حتى لو كان الإنسانُ في بيتِه مُغلِّقَ الأبواب، لم يُحِبَّ أنْ يَبقى عُرْيانًا؛ لأنَّه مُخالِفٌ للفِطْرة، ولو كان الإنسانُ أعمَى البصرِ لا يَرى عورةَ نفسِهِ ولا يراهُ أحدٌ، لَأَحَبَّ أنْ يَستتِرَ؛ لحرارةِ الفِطْرةِ في نفسِهِ التي يجدُها.
أسباب مشروعيةِ السترِ:
وقد شرَع اللهُ الاستِتارَ باللِّباسِ؛ لجملةٍ مِن الأسبابِ:
الأوَّلُ: حياءً مِن اللهِ؛ فاللهُ يُحِبُّ أن يُستحْيَا منه؛ وذلك مِن تعظيمِهِ وإجلالِه، واللهُ لا تُستَرُ عنه عينٌ، ولا تُستَرُ عنه عَوْرةٌ فلا يَراها؛ وإنَّما مجرَّدُ فعلِ اللِّباسِ والاستِتارِ به مِن الحياءِ مِن اللهِ ولو كان في عِلْمِ العبدِ أنَّ اللهَ يَراه؛ فالإنسانُ يستتِرُ في نفسِهِ وهو يَعلمُ نفسَهُ؛ حِفْظًا لحياءِ نفسِه، وقد جاءَ في سترِ العورةِ حياءً مِن اللهِ حديثُ بَهْزٍ؛ كما في "المُسنَدِ"، و"السُّننِ"، عن معاويةَ بنِ حَيدَةَ؛ قال: يَا رسُولَ الله، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قال:(احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَو مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ:(إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: (اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ)(1).
ورُوِيَ في بعضِ الأخبارِ: أنَّ آدمَ وحوَّاءَ استَتَرَا حياءً مِن اللهِ لمَّا بَدَت سَوْءَاتُهما؛ فعن أُبَيِّ بنِ كعبٍ مرفوعًا؛ أنَّ اللهَ قال لآدمَ: يَا آدمُ،
(1) أخرحه أحمد (5/ 3)، وأبو داود (4017)، والترمذي (2794)، وابن ماجه (1920).
منِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلامَ الرَّحْمَن، قَالَ: يَا رَبّ، لا، وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً (1).
وجاءَ ذلك في بعضِ الإسرائيليَّاتِ؛ كما قال وهبُ بن مُنَبِّهِ: "دخَلَ آدمُ فِي جَوْفِ الشَّجَرَة، فَنَادَاهُ رَبُّهُ عز وجل: يَا آدمُ، أَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا هَذَا يَا رَبِّ، قَالَ: أَلَا تَخرُجُ، قَالَ: أَسْتَحْيِيِ مِنْك يَا رَبِّ"(2).
وكان بعضُ خِيارِ السلفِ يَستتِرُونَ فيُغطُّونَ رؤوسَهُمْ وهم في الخلاءِ حياءً مِن اللهِ؛ كما صحَّ عن أبي بكرٍ وطاوسٍ، فقد روى عروةُ بن الزبير، عن أبيه، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ قال وهو يخطُبُ الناسَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اسْتَحْيُوا مِنَ الله، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِه، إِنِّي لَأظَلُّ حِينَ أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطِّيًا رَأْسِي؛ اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي (3).
وكان طاوسٌ يأمُرُ ابنَهُ بذلك (4).
وجاءَ في ذلك خبرٌ مرسَلٌ عندَ البيهقيّ، ومِن حديثِ عائشةَ مرفوعًا، ولا يصحُّ، ونَصَّ على استحبابِهِ غيرُ واحدٍ مِن الفُقَهاءِ كإمامِ الحرَمَينِ والغزاليِّ والبغويِّ وغيرِهم.
الثاني: حياءً مِن الملائكةِ؛ فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى ممَّا يتأذَّى منه بنو آدمَ؛ كما جاءَ في الحديث، وممَّا يتأذَّى منه بنو آدمَ: بُدُوُّ السَّوْءَةِ؛ وذلك مِن مقاصدِ قيامِ الفِطْرةِ في آدمَ وحوَّاءَ وذرَيَّتِهما، وحبِّهما للاستِتارِ في الجنةِ وليس فيها مِن البَشَرِ غيرُهما.
وقد دلَّ الدليلُ: أنَّ الملائكةَ مجبولةٌ على الحياءِ كبني آدمَ؛ كما
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"(1/ 87 - 88).
(2)
أخرجه بن أبي حاتم في "تفسيره"(5/ 1453).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1127).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1135).
قال صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ المَلَاِئكَةُ)(1)؛ يعني: عثمانَ بنَ عفَّانَ.
الثالثُ: الاستِتارُ عن الناس، والحياءُ منهم؛ فإنَّ هذا مِن أعظَمِ مقاصدِ اللِّبَاسِ واتِّخاذِ الزِّينة، ولهذا لمَّا سأَلَ معاويةُ بن حَيْدَةَ عن العَوْراتِ، كان أوَّلَ ما بدَأَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم حفظُ العوراتِ عن أَعْيُنِ الناسِ.
ومَن حازَ له أن يُبدِيَ عورتَهُ له، فيكونُ ذلك بقَدْرِ الحاجةِ؛ حفظًا لفِطْرةِ أصلِ الاستِتارِ؛ ولذا شُرعَ سترُ عورةِ الطفلِ وليس له عورةٌ لكلِّ الناظِرِينَ، ولو كان مولودًا، لتُحفَظَ هَيْبةُ العورةِ في نفسِه، ومِن هذا ما جاءَ في التفريقِ بينَ الأطفالِ في المَضاجِعِ؛ كما في قولهِ صلى الله عليه وسلم:(وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ)(2)؛ فإنَّ مِن مقاصدِ التفريقِ: ألَّا تبدوَ العوراتُ؛ فإنَّ الصغيرَ لا يَحترِزُ في عورتِهِ في مَنامِهِ كما يَحترِزُ الكبيرُ، فأمَرَ بالتفريقِ بينَهمْ في المَضاجِعِ حتى لا تَظهَرَ سَوْءَاتُ بعضِهم لبعضٍ، فيَنشؤوا على ذلك، أو يكونَ ذلك مُثيرًا لغرائزِهم في حَرَامٍ.
وكذلك: فإنَّه يُستحَبُّ لباسُ الزوجَينِ عندَ بعضِهما البعض مِن غيرِ دواعِي الحاجةِ إلى ذلك، وذلك حِفْظًا للفِطْرةِ بينَهما، ولِوَازِغِ الحياءِ أنْ يُكسَرَ.
الرابعُ: الاستِتارُ عن الجنِّ؛ وذلك أنَّ الجِنَّ يُبصِرُونَ بني آدمَ، وبنو آدمَ لا يُبصِرُونَهم؛ وذلك أنَّ اللهَ لمَّا ذكَرَ قصةَ آدمَ وحوَّاءَ مع إبليسَ وما جَرَى عليهما مِن كشفِ سَوْءَتَيهِما، ذكَرَ اللهُ حالَ رؤيةِ الجنِّ للإنسانِ مِن غيرِ أنْ يَرَاهُ:{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] ،
(1) أخرجه مسلم (2401).
(2)
أخرجه أحمد (2/ 187)، وأبو داود (495).