الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المشرِكِينَ وحفَزَتْهُم، فنهَى عن تسيبرِها للمؤمنينَ؛ فقال:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} [الأنفال: 47 - 48]، وفي هذا: إشارةٌ إلى أنَّ أكثَرَ خلافِ الظواهرِ بسببِ بواطنَ خفيَّةٍ؛ مِن حُبِّ الرّياء، الرَّياسة، والجاه، وطمعِ الدُّنيا.
* * *
معاهدةُ مَن نَقَضَ عهدًا سابقًا:
في هذه الآيةِ: دليلٌ على جوازِ مُعاهَدةِ ناكِثِ العهدِ السابقِ وناقِضِه إنْ كان في مُعاهَدَتِهِ مرَّةَ أخرى صلاحٌ للمُسلِمينَ، ولو بكَسْبِ أمانِ ليومِ أو لشهرٍ أو عامٍ، بصَدِّ عَادِيَتِهِ ومَكْرِه، كما عاهَدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم اليهودَ مع عِلْمِهِ بنقضِهِمْ للعهود، فقد كانوا عاهَدُوهُ أوَّلَ مرَّةٍ، ثم أعانُوا قًريشًا بسلاحٍ، ثم اعتذَرُوا، ثم عاهَدَهم فخانُوهُ في الخَنْدَقِ.
والأصلُ الحَذَرُ مِن إمضاءِ العهدِ لناقِضِ العهدِ؛ حتى لا يكونَ في ذلك استغفالٌ بالمُسلِمينَ وشماتةٌ مِن أعداءِ الدِّينِ بهم، وقد عاهَدَ أبو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ بَدْرٍ وترَكَهُ لِبَنَاتِهِ بلا فِدْيةٍ، وأخَذَ عليه ألَّا يُقاتِلَه، فأَخفَرَهُ وقاتَلَهُ يومَ أحُد، فدَعَا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ألَّا يُفلِتَ، فما أُسِرَ مِن المشركينَ رجلٌ غيرُهُ، فقال: يا محمَّدُ، امْنُنْ عَلَيَّ وَدَعْنِي لِبَنَاتِي وَأعطِيكَ عَهدًا أَلَّا أعُودَ لِقِتَالِكَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم (لَا تَمْسَحُ عَلَى
عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: قَدْ خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْن)، فأمَرَ به فضُرِبَتْ عُنُقُه (1).
ويُستثنى مِن ذلك الزمَنُ الذي تتعدَّدُ فيه الأعداءُ، وتكثُرُ الثغورُ، ولا قِبَلَ للمُسلِمينَ بكلِّ أحدٍ؛ كما كانتِ اليهودُ وقريشٌ وسائرُ المشرِكِينَ يُحارِبونَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
وإذا عاهَدَ المُسلِمونَ المشرِكينَ الذين عُرِفُوا بنقضِ العهد، فهل للمُسلِمينَ أنْ ينقُضُوا عهدَهم معهم متى شاؤوا؟ وجواب ذلك: أنَّ المُعاهَدينَ المعروفينَ بالنَّكْثِ على نوعَيْنِ:
النوع الأوَّلُ: قومٌ لم يَظهَرْ منهم ما يُبدِي تربُّصَهُمْ ومَكرَهُمْ ونَقْضَهُمْ للعهد، فلم يجهِّزوا في السِّرِّ ويَمكُروا في الباطنِ على المؤمنين؛ فهؤلاءِ يُمضَى لهم عهدُهُمْ إلى مُدَّتِهم، ولا يجوزُ نقضُ عهدِهْم لمجرَّدِ سابقةِ نقضٍ لهم؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ العهودِ وعدم نقضِها ووجوبُ الوفاءِ بها؛ على ما تقدَّمَ في صدرِ سورةِ المائدةِ.
النوع الثاني: قومٌ أظهَرُوا ما يُبدِي خِيَانةَ، أو جاءَتِ الأعيُنُ للمُسلِمينَ تْخبِرُهم بأنَّهم يُعِدُّونَ العُدَّةَ وَيتربصونَ الدوائرَ بالمؤمنِين؛ فهؤلاء يجوزُ أنْ يُنبَذَ إليهم عهدُهم، ولا يجوزُ تَبيِيتُهم على غِزَّةِ والعهدُ قائمٌ، بل يُنبَذُ عهدُهم ويُبَلَّغُونَ بتعطيلِ العهدِ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله:{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} ، وللمُسلِمينَ أنْ يُقاتِلُوهم أو يُبَيتِّوهُم بعدَ ذلك إنْ شاؤوا ليلًا أو نهارًا، ولو لم يَعلَموا، ما دام نُبِذَ إليهم عهدُهم بعلْمِهم؛ فلا حُرْمةَ لهم، ولا إثمَ في أخذِهِمْ على حِينِ غَفْلةٍ وغِرَّةٍ.
وفي قوله: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ
(1)"سيرة ابن هشام"(2/ 104)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (9/ 65).