الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجوهِ العلةِ في المحرَّماتِ كما هو في العَرَايَا، والحنفيَّة لا يُجيزونَ العرايَا، كما لا يُجيزونَ الجِعَالةَ.
ونقَلَ الطحاويُّ وغيرُه حُجَّةَ الحنفيَّةِ: أنَّ حديثَ جوازِ العرايَا هو في الهبةِ والهديَّةِ؛ وهذا لا يُوافِقُ ظاهرَ الحديثِ، ولا اصطلاحَ السلفِ.
والجِعَالةُ هي نوعٌ مِن أنواعِ الإجارةِ، ولكن ثَمَّةَ فروقٌ بينَهما:
وذلك أنَّ الإجارةَ عقدٌ لازمٌ لا يجوزُ فسخُهُ، بخلافِ الجِعَالةِ فليست عقدًا لازمًا.
وكذلك فإنَّه في الجِعَالةِ لا يجوزُ اشتراطُ تعجيلِ الأجرِ قبلَ العملِ الذي به يستحقُّهُ، بخلافِ الإجارةِ فيجوزُ تقديمُ الأجرِ.
والجِعَالةُ فيها احتمالُ الغَرَرِ والجهالةِ في العمل، بخلافِ الإجارةِ فلا بدَّ أن يكونَ العملُ فيها معلومًا.
والمنفعةُ في الجِعَالةِ لا يستحقُّها المالكُ إلَّا بعدَ تمامِ العملِ وإنجازِهِ، بخلافِ الإجارةِ فينتفِعُ المستأجِرُ بجزءٍ مِن العملِ.
ولا يَلزَمُ في الجِعَالةِ حضورُ المُتعاقِدَيْنِ، بخلافِ الإجارةِ فلا بدَّ مِن معرفةِ أحدِهما للآخَر، أو معرِفةِ مَن يقومُ مقامَهما، فمَن أحضَرَ صُوَاعَ المِلْكِ ليوسُفَ، استحَقَّ حِمْلَ البعيرِ ولو لم يكنْ معروفًا ليوسُفَ ولا خَوَّلَهُ يوسُفُ بعَيْنِهِ.
وقولُه تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} دليلٌ على وجوبِ أن يكونَ الجُعْل معلومًا، فلا يصحُّ أن يكونَ الجُعْلُ مجهولًا؛ كمَن يقولُ: مَن جاء بكذا وكذا، فله شيءٌ، لا يُسمِّيهِ.
حُكْمُ الضَّمَانِ:
قولُهُ تعالى: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} الزعِيمُ هو الضامنُ والكفيلُ؛ كقولِهِ
تعالى: {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40)} [القلم: 40]، ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم:(أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ)(1) زعيمٌ؛ يعني: كفيلًا، ومَن ضَمِنَ الشيءَ يجبُ عليه الوفاءُ به، وتجوزُ مُؤاخَذتُهُ عندَ تفريطِه، وقد جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:(الزَّعِيمُ غَارِمٌ)؛ رواهُ أحمدُ وأصحابُ السنن؛ مِن حديثِ أبي أُمامةَ (2).
وإذا ضَمِنَ رجلٌ مالًا على أحدٍ، فلم يَفِ صاحبُ المالِ الأصليُّ بما عليه، فالعلماءُ يتَّفِقونَ على أنَّ الغرِيمَ الأصليَّ مُطالَبٌ بكلِّ حالٍ، ولا يسقُطُ الحقُّ عنه بمجرَّدِ وجودِ الضامن، ولكنِ اختلَفَ العلماءُ في صاحِبِ الحقِّ: هل يكونُ مخيَّرًا بالأخذِ ممَّن شاء منهما مِن الأصليِّ والضامنِ؟ على قولينِ:
ذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّه يأخُذُ ممَّن شاء منهما حتى يَستوفِيَ حقَّه؟ وهذا قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، خلافًا لمالكٍ في قولٍ له متأخِّرِ أنَّه لا يأخُذُ مِن الضامنِ حتى يَعجِز عن الأصليِّ؛ إما لِغِيَابِه، أو إفلاسِهِ.
ويصحُّ ضمانُ الحضور، وهي كفالةُ بدَنِ مَنْ عليه دَيْنٌ، وهي صحيحةٌ عندَ عامَّةِ العلماءِ؛ فمَنْ ضَمِنَ حضورَ أحدٍ وكفَلَه، وجَبَ عليه ولَزِمَه ذلك، وقد ذهب الشافعيُّ: إلى ضَعْفِها مِن جهةِ القياس، وظاهرُ الكتابِ ثبوتُها، وذلك في قولِهِ تعالى:{قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)} [يوسف: 66].
* * *
(1) أخرجه أبو داود (4800).
(2)
أخرجه أحمد (5/ 267)، وأبو داود (3565)، والترمذي (1265)، وأبو ماجه (2405).
* قال تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73)} [يوسف: 73].
في هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ السَّرِقةَ مِن الفسادِ في الأرضِ؛ فقد وَصَفُوا ما اتَّهِموا به بأنَّه فسادٌ في الأرض، ويجوزُ أن يُلحِقَ الحاكمُ السَّرِقةَ المتكرِّرةَ بالفسادِ في الأرص، فيَقتُلَ السارقَ كثيرَ السَّرقةِ عظيمَ الشرِّ تعزيرًا؛ وذلك في زمنِ انتشارِ السرقةِ وذيوعِها، وعندَ القدرةِ على أهلِها، والأمنِ مِن الفتنِ والفسادِ التابعِ لذلك.
ولا يجوزُ أن تُجعَلَ السرقة المجرَّدةُ الواحدة حِرَابَةً؛ فإنَّ في ذلك إسقاطًا لحدِّ القَطْعِ، والحِرَابةُ حَدٌّ تعزيريٌّ واسعٌ، والقطعُ حدٌّ ضيِّقٌ، ولا يختلِفُ العلماءُ أنَّه إنْ تحقَّقَتِ السرقةُ الأُولى بشروطِها أنَّه يجبُ فيها القطعُ، ولكنْ إنِ اقترَنَ بالسرقةِ دعوةٌ إلى فِعْلِها والارتِزاقِ منها، أو تكرَّرت تكرُّرًا فاحشًا واقترَنتْ بخَوْفٍ ولو داخِلَ البلدِ وليس في المَفازاتِ، فلا حرَجَ مِن إلحاقِها بالفسادِ في الأرضِ.
وأمَّا ما جاء عندَ أبي داودَ والنَّسائيِ؛ مِن حديثِ جابرٍ، في قتل السارقِ في الخامسةِ؛ قال جابرُ بن عبد اللَّهِ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:(اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ:(اقْطَعُوهُ)، قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، قَقَالَ:(اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ:(اقْطَعُوهُ)، قَالَ: فقُطِعَ، ثَمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ:(اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ:(اقْطَعُوهُ)، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ:(اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ:(اقْطَعُوهُ)، فَأُتِيَ لهِ الخَامِسَةَ، فَقَالَ:(اقْتُلُوهُ)، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَينَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَينَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ (1).
(1) أخرجه أبو داود (4410)، والنسائي (4978).
فهو حديثٌ لم يَعْمَل به أحدٌ مِن الصحابةِ ولا التابعينَ، وقد أنكَرَهُ النَّسَائيُّ (1)، وابنُ عبد البَرِّ (2)، وقد عدَّه الشافعيُّ منسوخًا (3)، وحكَى عدمَ معرِفةِ الخلافِ في ذلك ابنُ عبد البَرِّ (4).
وقال النَّسائيُّ: "لا يصحُّ في البابِ شيءٌ"(5).
وقد جاء أنَّ السارقَ يُقطَعُ أربعَ مرَّاتٍ مِن أطرافِهِ مِن حديثِ أبي هريرةَ (6)، وعِصْمَةَ بنِ مالكٍ (7)، ولا يصحُّ، والثابتُ عن أبي بكرٍ: قطعُ الرِّجْلِ في الثانيةِ (8)، وأرادَ عمرُ قطعَ اليدِ في الثالثة، وخالَفَهُ فيه عليُّ بن أبي طالبٍ، فرجَعَ إلى قولِ عليٍّ (9)، فعليٌّ لا يَرى القطعَ في الثالثةِ.
وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قطعُ يدِ السارقِ مِن خِلَافٍ إذا سرَقَ مرَّتَيْنِ (10)؛ تُقطَعُ يدُهُ اليُمنى ورِجْلُهُ اليُسرى.
* * *
* قال تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76].
كان يوسُفُ يَعلَم أنَّ هذا أخوه، ولكنَّه لا يستطيعُ غَصْبَهُ منهم بلا بيِّنةٍ منه، وفي هذا: أنَّه لا يجوزُ حُكْمُ الحاكمِ بعِلْمِه، فضلًا عن حُكْمِهِ
(1)"سنن النسائي"(4978).
(2)
"الاستذكار"(24/ 196).
(3)
"فتح الباري" لابن حجر (12/ 99).
(4)
"الاستذكار"(24/ 195).
(5)
"السنن الكبرى" للنسائي (7429).
(6)
أخرجه الدارقطني في سننه (3/ 181)، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار"(6/ 410).
(7)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(483)، والدارقطني في "سننه"(3/ 173).
(8)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(18770).
(9)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(18766).
(10)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(18763).