الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذهَبَ أهلُ الرأيِ إلى أنَّ لكلِّ مسكينٍ مُدَّيْنِ.
التخييرُ في كفَّارة الصيدِ:
واختلَفوا في التخييرِ والترتيبِ بينَ المِثْليَّةِ: {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وبينَ الإطعامِ والصِّيَامِ: هل الثلاثةُ كلُّها على التخييرِ؛ لأنَّ اللهَ خيَّرَ بينَها بقولِ: (أَو)؟ وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك على أقوالٍ:
ذهب جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّ التخييرَ في الجميع، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ، وأحدُ قولَيِ الشافعيِّ وأحمدَ.
وذهَبَ بعضُ الفقهاءِ: إلى أنَّها على الترتيبِ! فيجبُ أولًا مِثلُ الصيد، ثَمَّ يُخيَّرُ بينَ الإطعامِ أو عَدْلِ ذلك صيامًا؛ وجاء هذا عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وعطاءٍ، وفي روايةٍ أُخرى عى هؤلاء الثلاثةِ: أَنَّها على التخييرِ.
قيمة الإطعامِ ومحلُّهُ من كفَّارةِ الصيدِ:
واختلَفُوا في قيمةِ الإطعامِ: هل تكونُ على قيمةِ الصيد، أو على قِيمةِ مِثلِهِ لو كان له مِثلٌ؟ على قولَيْنِ:
والجمهورُ: على أنَّ المقوَّمَ هو الصيدُ.
والشافعيُّ: يَرى أنَّ المقوَّمَ هو مَثِيلُهُ مِن النَّعَمِ لو كان موجودًا.
والأظهَرُ: أنَّ القيمةَ تكونُ للنَّعَم، لا للصيدِ؛ لأنَّ تقييمَ الصيدِ شاقٌّ، وعالبُهُ لا قيمةَ له؛ لأنَّ الناسَ لا يتبايَعُونَهُ عادةً، وفي هذا حرَجٌ على الناسِ في معرفةِ القيمة، وخاصَّةً في الأزمنةِ المتأخِّرةِ؛ فإنَّ قيمةَ الصيدِ أضعافُ قيمةِ مِثْلِهِ مِن الأنعامِ؛ لنُدْرةِ الصيدِ وكثرةِ بهيمةِ الأنعامِ.
واختلَفوا في محلِّ الإطعامِ والصيامِ: هل يأخُدُ حُكمَ مثلِ الصيدِ مِن
النَّعَمِ؛ فيقسَّمُ في مكَّةَ على فقراءِ الحَرَمِ وذوي الحاجةِ منها، أم يُتصدَّقُ به في أيِّ موضعٍ؟ :
قال بالأولِ: عطاءٌ وطاوسٌ والشافعيُّ ومالكٌ في قولٍ.
وبالثاني: النخَعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ قولًا ثالثًا؛ وهو أنَّ الإطعامَ يكونُ بمحلِّ الإصابة، وهذا قولٌ لمالكٍ آخَرُ.
والأظهَرُ التيسيرُ؛ لأنَّ اللهَ خَصَّ المكانَ في الهَدْيِ، ولو كان الإطعامُ يجبُ كالهَدْي، لَتَأخَّرَ بيانُ المكانِ إلى ما بعدَ الإطعام، ولو قيل: إنَّ الإطعامَ يكونُ كالهَدْي، لَلَزِمَ أنْ يكونَ ذلك في الصيام؛ لأنَّها كلَّها كفَّاراتٌ، فيجبُ الصومُ في الحَرَم، وفي هذا حَرَجٌ شديدٌ.
وأمَّا قولُهُ: {عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} ، فيعني: ما يُعادِلُ ذلك المقدارَ مِن الطعام، وقد قدَّرَهُ جماعةٌ مِن الصحابةِ بأنَّ كلَّ نِصْفِ صاعٍ يُعادِلُ صيامَ يومٍ؛ صحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ، ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد جعَلَ الكفَّارةَ على كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: أنْ يُطعِمَ ستةَ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، أو أنْ يصومَ ثلاثةَ أيامٍ؛ والحديثُ في "الصحيحَيْنِ"(1).
ولا زمانَ محدودًا للصيامِ؛ فيصومُ حيثُ شاء ومتى شاء؛ في طريقِه، أو في مكةَ، أو في بلدِه إذا رجَعَ إليها، ولذا قال عطاءٌ:"الصِّيَامُ حيثُ شاء"(2).
وقولُه تعالى: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} ؛ يعني: عقوبتَهُ؛ فوَبَالُ الشيءِ: بلاؤُه وعقوبتُهُ ونقمتُهُ على صاحِبه.
(1) أخرجه البخاري (1814)(3/ 10)، ومسلم (1201)(2/ 862).
(2)
"تفسير الطبري"(8/ 706).