الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمنهم من جَعَل الصلبَ لازمًا مع كلِّ مَن قتَلَ حِرابةً ولو لم يكنْ معه أخذُ مالٍ؛ وهذا قال به النخَعيُّ في أحد قولَيْه.
ومنهم مَن أضافَ للقتلِ أخذَ المالِ ليكونَ الصلبُ؛ رُويَ هذا عن ابن عباسٍ وعطاءٍ وسعيد بنِ جُبيرٍ وأبي مِجْلَزٍ لاحِقِ بنِ حُمَيْدٍ وقتادةَ والنخَعيِّ في قولٍ له آخَرَ.
قطعُ المحارِبِ:
واتَّفَقَ قولُ السلفِ: أنَّ القطعَ يكونُ لِمَنْ قَطَعَ الطريقَ وأخَذَ المالَ.
وجاء عن ابنِ جُبيرٍ أنه قل تجتمِعُ على المُحارِبِ الحدودُ الثلاثةُ: القطعُ والقتلُ والصلبُ، إنْ جمَعَ التخويفَ وأخْذَ المالِ والقتلَ، فيُقطَعُ ثم يُقتَلُ ثمَّ يُصلَبُ.
وما عدا إيجابَ القتلِ على مَن قتَلَ حِرَابةً، والقطعِ على مَن أخَذَ المالَ -اجتهادٌ من السلفِ؛ ولهذا تنوَّعَ قولُهُمْ، وإنَّما اختلَفَ كلامُهم فيه، لا في أصلِ المسألةِ؛ لاختلافِ الحالِ التي كان حديثُ الواحدِ منهم عليها؛ فقد يكونُ القتلُ في أخذِ المالِ فقطْ أو التخويفِ فقطْ إذا عظُمَ أثرُهُ، ولكنْ لا يكونُ النفيُ أو القطعُ فقطْ في حِرابةٍ فيها قتلٌ، ولا يكون النفيُ فقطْ في حِرابةٍ فيها أخذُ مالٍ.
اختلافُ أحوالِ المحارِبينَ:
وقد جاء الحكم على التخييرِ؛ لاختلافِ الأحوالِ والأشخاص، والزمانِ والمكانِ؛ فمنها ما يحتاجُ إلى التشديد، ومنها ما لا يحتاجُ إليه؛ فقد تتَّفقُ الصورةُ الواحدةُ في الظاهر، ويختلفُ الحُكْمُ؛ لاختلافِ الحالِ أو الأشخاصِ أو الزمان؛ ولذا جاء عن جماعةٍ من السلفِ إطلاق تخييرِ الإمامِ؛ رُوِيَ هذا عن ابن عبَّاسٍ وابن المسيَّبِ وعطاءٍ ومجاهدٍ والنخَعيِّ والحسن، مع أنَّ منهم مَن جَزَمَ بنوعٍ من الحدودِ على نوعٍ من المُحارَبةِ على ما سبَقَ؛
وذلك لأنَّ مِن الحِرابةِ ما يختلِفُ، فيُلحَقُ وهو أَدْنى بالأَعْلى، وقد يُخفَّفُ الأعلى لمصلحةٍ عامَّةٍ؛ كترك الصلبِ وإنفاذِ القتلِ في القاتلِ مُحاربَةً، ومنها ما لا يُترَكُ على قولِهم بحالٍ كمَن قتَلَ مُحارَبةً فلا يَختلِفونَ في عدمِ سقوطِ القَوَدِ، وما للحاكم هو إسقاطُ صَلْبِه، وإنَّما تنوَّعَ كلامُهم ذلك للاعتباراتِ السابقة، وهي اختلافُ الأحوالِ والأشخاص، والزمان والمكانِ:
فأمَّا اختلافُ الأحوالِ: فإنَّ المحارَبةَ على مراتِبَ؛ منها ما يكونُ معه قتلٌ وانتهاكُ عِرْض، ومنها ما يكونُ فيه خطفٌ وأخذُ مالٍ، ومنها ما يكونُ فيه التخويفُ وأخذُ المال، ومنها ما يكونُ تخويفًا بلا أخذِ مالٍ ولا غيرِه، والتخويفُ على درجاتٍ، وأشَدُّها يكونُ فيه الأخذُ بأشَدِّ الأحكام، وهو القتلُ والصلب، وكلَّما خَفَّتِ الحالُ خَفَّ الحُكْمُ.
وقد يكونُ أثرُ بعض الأحوالِ أشدَّ من غيرِه؛ كشيوعِ خبرِ الحِرَابةِ وخوفِ الناسِ منها؛ لتداوُلِ الناسِ لها في مَجالسِهم وإعلامِهم؛ فالعقوبةُ فيها أشَدُّ من حِرابةٍ مستورةٍ غيرِ متعدِّيةٍ؛ لأنَّ المقصودَ من إلحاقِ الحقِّ في حدِّ الحِرابة بالحاكمِ أنَّ فيها مصلحةَ الناسِ عامَّةً، لا مصلحة المجنيِّ عليهم خاصَّةً.
وأمَّا اختلافُ الأشخاصِ: فالمرادُ بذلك اختلافُ شخصِ المحارِبِ وشخصِ المحارِبِ، فإنْ كان المحارِبُ له سابقةُ حربٍ وتخويفٍ وشرٍّ، فهذا يَستحقُّ التشديدَ عليه، بمقدارِ ما يَغلِبُ على الظنِّ ردعُهُ وردعُ مَن يُماثِلُه، فقد يُشدَّدُ على محارِبٍ أخافَ أشَدَّ من محارِبٍ أخافَ وسلَبَ المالَ؛ لأنَّ الأولَ اعتادَ تخويفَ الناسِ وترهيبَهم، والثاني لم يَسبِقْ له سابقةُ شرٍّ.
ومِن الأشخاصٍ المُحارِبيِنَ مَن يَظهَرُ عنادُهُ وإصرارُهُ على شرِّهِ وعدمُ توبتِهِ وندمِه؛ فهذا يُشدَّدُ عليه ولو كانتْ حِرابتُهُ مُخفَّفةً؛ أو وَقَعَ ذلك منه أوَّلَ مرَّةٍ، ومنهم مَن يَظهَرُ ندمُهُ وتوبتُهُ أو يَظهَرُ مِن حالِه الجبنُ عن تكرارِ مِثْلِ ما فعَلَ؛ فهذا يُؤخَذُ بالأخفِّ.
وكذلك: فإنَّ المحارَبَ قد يكونُ حقُّه التعظيمَ والتوقيرَ؛ كقطعِ الطريقِ على السُّلْطانِ العادل، والعالِم والقاضي الذي يحتاجُ الناسُ إلى نفعِه؛ ففي مفسدةِ التعدِّي على هؤلاء أثرٌ في كثيرٍ من الناسِ في دينِهم ودُنياهم، فاستحَقَّ المحارِبُ التشديدَ؛ للأثرِ المتعدِّي من فِعلِه على مَن حارَبَ.
وأمَّا اختلافُ الزمانِ: فإنَّ الأزمنةَ تتبايَنُ؛ فمنها ما يشتِهرُ فيها الأمنُ ويستقِرُّ، ووقوعُ الحادثةِ الواحدةِ في المحارَبةِ لا تؤثِّرُ في استقرارِ أمنِ البلدِ وأمنِ أهلِه، ولا تُهِيبُهم عن سفرٍ وضربٍ في الأرضِ؛ لعَدِّهم إياها حادثةَ عَيْنٍ؛ فهذه حقُّها التخفيفُ ما لم يكنْ فيها قتلٌ أو انتهاكُ عِرْضٍ.
ومِن الأزمنةِ: ما انتشَرَ فيها قطعُ السبيلِ والفسادُ في الأرضِ؛ حتى تعطَّلتْ مصالحُ الناس، وخافوا السفرَ والضربَ في الأرضِ؛ فهذا يُشدَّدُ فيه؛ حتى يُؤخَذَ بالأشدِّ في أَدْنى وجوهِ المحارَبةِ؛ وهو التخويفُ.
وأمَّا اختلافُ المكانِ والبُلْدانِ: فمنها ما حقُّها التعظيمُ، وحقُّ أهلِها في الأمن أكثَرُ من غيرِها؛ كمكَّةَ والمدينةِ وكذا بيتُ المَقْدِسِ؛ لأنَّ الله فضَّلَها على غيرِها وفضَّلَ العبادةَ فيها، وحَثَّ على قصدِ العبادةِ فيها، والمحارَبةُ في طريقِها تحقيقُ لمفسدتَيْنِ: دينيَّةٍ ودنيويَّةٍ؛ فيَلزَمُ مِن ذلك دفعُهما، ودفعُهما يكونُ بتغليبِ الأشدِّ من العقوبةِ.
ويدخُلُ في هذا قطعُ طريقِ الحاجِّ والمعتمرِ ولو كان في غيرِ هذه البُلْدانِ في أقصى الأرضِ؛ لأنَّه صدٌّ عن مصلحةٍ عُظْمَى، ويدخُلُ في ذلك أيضًا البُلْدانُ التي تعظُمُ فيها مصالحُ الناس، فيجلبون منها طعامَهم وماءَهم، وفيها سوقُهم، ولا تقومُ حياتُهم إلَّا بها؛ فقطعُ السبيلِ عنها أشدُّ من غيرِها، وقد يكونُ حدُّ الحِرَابةِ في التخويفِ فقطْ، أشَدَّ مِن حدِّ الحِرابةِ في التخويفِ وأخذِ المالِ في غيرِها.