الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنواعُ القوَّةِ التي يجبُ إعدادُها:
والقوةُ هي الرِّمايةُ بالنِّبالِ والسِّهامِ والبُنْدُقِيَّةِ وكلِّ ما دخَلَ في بابِ الرميِ باليدِ أو بالآلاتِ المستحدَثةِ مِن رصاصِ أو قذائفَ أرضيَّةِ أو جويَّةِ؛ ففي مسلم؛ مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم في قولِهِ تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ؛ (ألَاإِنَّ الْقُوَّةَ الرَّميُ)؛ قالها ثلاثًا (1).
وقولُه صلى الله عليه وسلم: (الْقُوَّةَ الرَّميُ) لا يعني حَصْرَها فيها، وذلك كقولِه:(الْحَجُّ عَرَفَةُ)(2)؛ أي: أعظَمُ أعمالِ الحجِّ عرفةُ، وأعظَمُ القوةِ الرميُ.
وقد حَذَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن تركِ الرمي لِمَنْ تَعَلَّمَهُ؛ ففي مسلم؛ مِن حديثِ عُقْبةَ، عنه؛ قال:(مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا؛ أَو: قَدْ عَصَى)(3)، ومع أنَّ اللهوَ مذمومٌ إلَّا أنَّ اللهوَ بالرميِ محمودٌ؛ لأنَّه قوةٌ يُحتاجُ إليه في زمنِ جهادِ عدوّ، أو دفعِ صائلٍ، أو نُصْرةِ مظلومٍ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:(وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ المَرْءُ المُسْلِمُ بَاطِلٌ، إِلا رَمْيَهُ بِقَوْسِه، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ)(4).
والذي يُحسِنُ الرميَ أفضَلُ مِن الذي يُحسِنُ الركوبَ؛ لأنَّ الإثخانَ يكونُ بالرمي أكثَرَ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن تَرْكَبُوا)؛ رواهُ أحمد وأهلُ السُّننِ (5)؛ وذلك أنَّ الراميَ يُرهِبُ برَمْيِهِ ولو لم يُصِبْ، فيُفزعُ ويُخزِي؛ ولهذا جعَلَ اللهُ للرَّامي أجرًا على
(1) أخرجه مسلم (1917).
(2)
أخرجه أحمد (4/ 309)، والترمذي (889)، والنسائي (3016)، وابن ماجه (3015).
(3)
أخرجه مسلم (1919).
(4)
أخرجه الترمذي (1637)، وابن ماجه (2811).
(5)
أخرجه أحمد (4/ 144)، وأبو داود (2513)، والترمذي (1637)، وابن ماجه (2811)، والنسائي في "الكبرى"(4404).
رَمْيِهِ ولو لم يُصِبْ هَدَفَهُ؛ كما في" المسندِ"، والنَّسَائيِّ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ عبَسَةَ، عنه صلى الله عليه وسلم؛ قال:(مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَلَغَ الْعَدُوَّ، أَخْطَأَ أَو أَصَابَ، كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ)(1).
لأنَّه ببلوغِهِ العدوَّ يؤثِّرُ فيهم خوفًا وهَلَعًا وإرهابًا، ولو لم يَسفِكْ منهم دمًا، أو يُتلِفْ فيهم مالًا؛ لأنَّ تخويفَ العدوِّ قد يبلُغُ فيهم أشَدَّ مِن مَبلَغِ قتلِ الواحدِ والجماعاتِ منهم؛ فإنَّ مِن القتلِ ما يَحمِلُ العدوَّ على الحَمِيَّةِ والنعرةِ الجاهليَّة، فيَصبِرُ ويتجلَّدُ العدوُّ حتى يُقتَلَ كما قُتِلَ صاحبُه ولو كان على باطلٍ.
ومَن تأمَّل كلامَ السلفِ، وجَدَ أنَّهم يُفسِّرونَ القوةَ بتفسيراتٍ تجتمِعُ بأنَّ القوةَ كلُّ ما كان سببًا في نصرِ المُسلِمينَ على الكافرِين، كإعدادِ الحصونِ والأنفاقِ والخنادق، وصناعةِ السلاحِ وإنِ اختلَفَ نوعُهُ وقَدْرُه، والمراكبِ الحاملةِ للجنودِ والغُزاةِ والمُقتحِمِين، وأعظَمُهُ وأفضَلُهُ أشدُّهُ تأثيرًا على العدوِّ وقوَّة في المؤمنِين؛ ولذا فسَّرَ عِكْرِمةُ القوةَ بالحُصُونِ (2)، وفسَّرها مجاهدٌ بذكورِ الخيلِ (3)، وقال ابنُ المسيَّبِ:"هي مِن الفَرَسِ إلى السهمِ فما دونَه"(4).
وكلُّ ما تقوَّى به المجاهدُ ولو مِن زادِهِ ولِباسِهِ ونِعالِه، فهو مِن القوةِ؛ فعن رجاءِ بنِ أبي سَلَمةَ؛ قال:"لَقِيَ رجلٌ مجاهِدًا بمَكَّةَ، ومع مجاهدٍ جُوَالِقٌ، قال: فقال مجاهدٌ: هذا مِن القُوَّة، ومجاهِدٌ يَتجهَّزُ للغزوِ"(5).
والشرعُ أمَرَ بإعدادِ قوَّتَيْنِ:
(1) أخرجه أحمد (4/ 386)، والنسائي (3145).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 246)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1722).
(3)
"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1722).
(4)
"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1722).
(5)
"تفسير الطبري"(11/ 246)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1722).