الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجهادُ حياةٌ:
المرادُ بالحياةِ في قولِه تعالى: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} هو جهادُ الكُفَّارِ المُعانِدِينَ؛ كما قالَهُ عُرْوةُ بن الزُّبَيْرِ (1)، وابنُ إسحاقَ (2)، وقال مجاهدٌ: هو الحقُّ (3)، وقال قتادةُ: هو القرآنُ (4).
وهذا مِن التنوُّعِ لا التضادِّ، فمِن الحقِّ الذي دعا إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في القرآنِ: الجهادُ، وظاهرُ سياق الآياتِ قبلَها وبعدَها في قتالِ الكفَّارِ المُعانِدِين؛ ففي هذه الآيةِ سمَّى اللهُ الجهادَ حياةً:{لِمَا يُحْيِيكُمْ} ، كما سمَّى القِصاصَ حياةً:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]؛ لأنَّ الأمَّةَ إنْ لم تُجاهِدْ عدوَّها، تسلَّطَ عليها وقتَلَها، وانشغَلَت بنفسِها فتناحَرَت وقتَلَ بعضُها بعضًا، وإنْ قاتَلَتْ عدوَّها، فلها البقاءُ والعِزَّةُ، ويُحفَظُ دمُها بقوَّةِ شَوْكَتِها، ولو كان الجهادُ في ظاهرِهِ سفكًا للدمِ وفقدًا للمال، ولكنَّ اللهَ يَحفَظُ به دماءً وأموالًا أعظَمَ ممَّا ذهَبَ منها وفَقَدَتْ، والتاريخُ شاهدٌ أنَّ الأمَّة إنِ انشغَلَتْ عن الجهاد، دَبَّ فيها القتالُ، وسفَكَ بعضُها دمَ بعضٍ، وإنِ انشغَلَت بالجهاد، حَفِظَ اللهُ دمَها ومالَها، وإن ظهَرَ لها خلافُ ذلك، فهم يَنظُرونَ للبدايات، ولا ينظُرونَ للنِّهاياتِ.
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1679).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 105)، و "تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1680).
(3)
"تفسير الطبري"(11/ 104)، و "تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1679).
(4)
"تفسير الطبري"(11/ 105)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1680).
وفي ذلك أنَّ الأمَّةَ التي تعطِّلُ الجهادَ كالأمَّةِ الميِّتةِ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهُ حياةً في قوله {دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ، وهو الجهادُ.
ويُظهِرُ تلازُمَ اشتِدادِ الفِتَنِ في المُسلِمينَ عندَ تعطيلِ الجهادِ: أنَّ اللهَ ذكَرَ بعدَ حياتِهم به تحذيرَهُ مِن عاقبةِ الفتنِ عليهم بقوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} ؛ وذلك أنَّ الفَتنَ لا تكثُرُ إلَّا عندَ تعطيلِ الجهادِ والرُّكُونِ إلى الدُّنيا.
* * *
قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34].
تقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ الصَّدِّ عن المسجدِ الحرام في سورةِ البقرةِ عندَ قولهِ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 217].
* * *
قال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 35].
كانتْ قريشٌ تتعبَّدُ بالتصفيرِ والتصفيقِ عندَ البيت، والمُكَاءُ هو صفيرُ الطائرِ؛ فيقالُ: مَكَا الطيرُ يَمْكُو مُكَاءً ومَكْوَا: صَفَرَ، والطائرُ يُسمَّى المَكَّاءَ.
والتَّصْدِيَةُ مِن الصَّدَى، وهو ما يَسمَعُهُ الخالي بينَ جبالٍ أو في كُهُوفٍ أو عُمْرانٍ خاليةٍ، وأرِيدَ به هنا التصفيقُ.