الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جميعُها بالكوارثِ والأوْبِئةِ أو الأمطارِ؛ وذلك لِما فيها مِن منافعَ للناسِ في أنفُسِهِمْ مباشَرة، أو لنفعِها لِما يتعدَّى نفعُهُ للناسِ.
وفي هذه الآيةِ كما أمَرَ اللهُ نُوحَا مُوجِبًا عليه حَمْلَ الحيوان، فإنَّه يحرُمُ قصدُ نوعِ مِن الحيوانِ الذي يَنتفِعُ منه الناسُ بالإهلاكِ حتى لا يَبقَى منه شيءٌ.
* * *
قال تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)} [هود: 41].
في هذه الآيةِ: استحبابُ ذِكرِ اللهِ عندَ ركوبِ الدابَّةِ والسفينةِ والطائرةِ وغيرِ ذلك، ولم يكنْ ذلك مقيَّدًا بسَفَر؛ فنُوحٌ لم يكنْ مسافِرًا قاصدًا جهةً معيَّنةً، ولكنَّه كان راكبًا طلبًا للسلامةِ مِن الغرَق، ثم إنَّ ذِكرَ اللهِ عُلِّقَ بالركوبِ هنا:{ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ} ، وكذلك في سورةِ الزُّخرُفِ قال:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)} [13 - 14]، فجعَلَ الاستواءَ على ظَهْرِ المركوبِ مُوجِبًا للذِّكْر، والراكبُ يَركَبُ دابَّتَهُ في الحَضَرِ وفي أطرافِ المدينة، ولو كان ذلك مخصوصًا بركوبِ السفَر، لجاءَ تقييدُهُ بما تُقصَرُ فيه الصلاةُ، ولجَرَى في كلامِ الصحابةِ والتابِعيِن.
الفَرْقُ بينَ ذِكرِ الرُّكوبِ ودُعَاءِ السَّفَرِ ورُكُوبِه:
والواردُ عندَ السفَرِ ذِكْرٌ ودُعاءٌ، والواردُ عندَ الركوبِ مِن غيرِ سفَرٍ ذِكرٌ فقطْ:
فأمَّا ذِكْرُ لسفَرِ ودعاؤُهُ: فكما جاء في "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديثِ
ابنِ عمرَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَر، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ:(سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَينَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطوِ عَنَّا بُعْدهُ، اللَّهُمِّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَر، وَالْخَلِيِفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَر، وَكَآبَةِ المَنْظَر، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ فِي المَالِ وَالأَهْلِ)، وإِذَا رَجَعَ قَالَهنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ:(آيِبُونَ تَائبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ)(1).
فهذا بتمامِهِ يكونُ للسفَرِ خاصَّةَ؛ لظاهِرِ الحديثِ؛ فقد قيَّدهُ بإرادتِهِ الخروجَ إلى السفَر، وللعِلَلِ ومقاصدِ الدُّعاءِ المذكورةِ فيه؛ منها قولُه:(نَسْألُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبرَّ وَالتَّقوَى)، وطلبُ تهوينِهِ عليهم، والاستعاذةُ مِن وَعثَائِه، وطلبُ الصُّحْبَةِ فيه، وطَيِّ بُعْدِه، والاستخلافِ بَعْدَه، ثم الاستعاذة مِن سُوءِ المُنقلَب، وذِكرُ الأَوْبَةِ والرَّجْعَةِ بعدَ ذلك.
وأمَّا ذِكرُ الركوب، فكما في هذه الآيةِ:{ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ} ، وفي آيةِ الزخرُفِ:{وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)} [12 - 14].
وقد جاء العملُ بالآيتَيْنِ عندَ الركوبِ في السُّنَّة، كما لي حديثِ عليِّ بنِ رَبِيعةَ؛ قال: شهِدتُّ عليًّا - رضي الله تعالى عنه - وَأُتِيَ بِدَابَّةِ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ، قَال:{بِسْمِ اللَّهِ} ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ:"الحَمْدُ للهِ"، ثُمَّ قَالَ:{سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)} [12 - 14] ثُمَّ قَالَ: "الحَمْدُ لله" - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ قَالَ: "اللهُ أَكبَرُ" - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ:
(1) أخرجه مسلم (1342).
"سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنتَ"، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مِن أيِّ شَيْءٍ ضَحِكَتَ؟ قَالَ:"رَأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مِنْ أيِّ شيءٍ ضَحِكْتَ؟ "، قَالَ:(إنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِن عَندِهِ إِذَا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنُوبَ غَيْرِي)(1).
رواهُ أحمدُ وأصحابُ السنن؛ مِن حديثِ أبي إسحاقَ عن عليِّ بنِ ربيعةَ؛ به، وقد أُعِلَّ بعدمِ سماعِ عليِّ بنِ ربيعةَ الحديثَ مِن عليِّ أعَلَّه النوريُّ ويحيى القَطَّانُ (2)، وفي بعضِ الرِّواياتِ يقولُ: أخبَرَني مَن شَهِدَ عليًّا (3)، وذكَرَ ثبوتَ أصلِ سماعِه البخاريُّ) (4).
وقد أعِلَّ بعدمِ سماعِ أبي إسحاقَ له مِن عليِّ بنِ ربيعةَ، قال ابنُ مهديِّ: قال شُعْبةُ: قلتُ لأبي إسحاقَ: ممَّن سمِعتَهُ؟ قال: مِن يُونُسَ بنِ خبَّابِ؟ فأتيتُ يونُسَ بنَ خبَّابٍ، فقلتُ: ممَّن سمِعتَهُ؟ فقال: مِن رجلِ رواهُ عن عليِّ بنِ ربيعةَ (5).
وقد رواهُ عن عليِّ بنِ ربيعةَ: عمرُو بن المِنهالِ والحَكَمُ، وطرُقُهُمْ ضعيفةٌ.
والدُّعَاءُ يكونُ عندَ السفرِ حنى لو لم يكن ركوبٌ؛ كمَن يُسافِرُ على قدمَيْهِ ماشيًا، فإنَّه يذكُرُ الدُّعاءَ ولا يقولُ ذِكرَ الركوب، ومَن كان راكبًا في حَضَرِ غيرَ مُسافرٍ، فإنَّه يذكُرُ الذِّكرَ ولا يقولُ الدُّعاء.
وإنَّما ذكَرَ اللهُ الفُلْكَ في الآية، وساقَ العلماءُ حديثَ عليِّ بنِ
(1) أخرجه أحمد (1/ 97)، وأبو داود (2602)، والترمذي (3446)، والنسائي في "السنن الكبرى"(8748).
(2)
"علل الحديث" لابن أبي حاتم (3/ 202).
(3)
أخرجه أحمد (1/ 115).
(4)
"التاريخ الكبير" البخاري (6/ 273).
(5)
"علل الحدث" لابن أبي حاتم (3/ 204).
أبي طالبٍ في سياقِ السفرِ في كُتُبهِمْ كأبي داودَ والتِّرمِذيِّ والنَّسائيِّ وابنِ حبَّانَ؛ لأنَّ غالبَ أحوالِ الناسِ عدمُ الرُّكُوبِ داخِلَ مُدُنِهم وقُرَاهُم، وكانت مُدُنُهم صغيرةَ وبيوتُهم مُتقارِبةً، ولم يكنِ الناسُ على الحالِ اليومَ مِن اتِّساعِ المُدُنِ والبُلْدان، وكثرةِ الركوبِ في الحَضَرِ أكثَرَ مِن السفر، بخلافِ الأوائلِ الذين يَركَبونَ في السفرِ أكثَرَ مِي الحَضَر، فأجْرِيَتْ أحاديثُ الركوبِ مُجْرَى الأسفارِ.
* * *
قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)} [هود: 45].
في هذا أنَّ الولَدَ يدخُلُ في أهلِ الرجُلِ مع زوجتِه، فمَن أوصى وصيَّةً لأهلِه، دخَلَ فيها ولدُهُ، فنوحٌ جعَلَ ولدَهُ من أهلِه:{إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} ، ولم يُخرِجْهُ اللهُ مِن أهلِهِ إلَّا بسبب الكفر، فقال:{إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46] ، فهذا تأييدٌ لكونِهِ مِن أهلِه، وأخرَجَهُ عملُهُ السِّيئُ فقطْ.
ثم إنَّ اللهَ تعالى أمَرَ نوحًا أنْ يَحمِلَ أهلَة معه بقولِهِ: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [هود: 40]، ثم استثنَى مِن الأهلِ:{إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: 40] يعني: ولَدَهْ.
* * *
قال تعالى: {وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64)} [هود: 64].
اختارَ اللهُ ناقةً لتكونَ آيةً لقومِ صالحٍ، ولم يَجْعَل ذلك مِن غيرِها
مِن بهيمةِ الأنعامِ لحِكْمةِ اللهُ أعلَمُ بها، وقد يكونُ منها أنَّ الناقةَ التي ليس معها مالكٌ لها لا تكونُ ضالَّةً كما هي الغَنَمُ والبقرُ، وأنَّ هذا عُرْفٌ قديمٌ يَعرِفُهُ الناسُ، وحتى لا يكونَ لأحدٍ بابٌ مِن الهَوى فيَزعُمَ أنَّ له الحقَّ في أخْذِها والأمساكِ بها وتملُّكِها؛ لأنَّها لا تقومُ بنفسِها؛ فهي إمَّا لمُلتقِطِها أو لأخيهِ أو للذِّئْبِ؛ ولهذا غَضِبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمَّا سُئِلَ عن ضالَّةِ الإبلِ؛ كما رَوَى الشيخانِ؛ مِن حديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ رضي الله عنه؛ قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَسَألَهُ عَمَّا يَنتَقِطُهُ، فَقَالَ:(عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإنْ جَاءَ أحَدٌ يُخبِرُكَ بهَا، وَإِلَّا فَاستَنْفِقْهَا)، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، فَضَالَّة الغَنَم؟ قَالَ:(لَكَ، أوْ لِأَخِيكَ، أَو لِلذِّئْبِ)، قَالَ: ضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:(مَا لَكَ وَلَهَا؟ ! مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ المَاء، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ)(1).
وتمعَّرَ وجهُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأنَّ السائلَ أعرابيُّ يَعرِفُ الإبلَ، والأعرابُ أعلَمُ الناسِ بما للإبلِ مِن خصيصةِ السَّيْرِ وحدَها، والاستغناءِ بما جعَلَهُ اللهُ فيها مِن قُدْرةِ وتحمُّلِ وصبرٍ، وكأنَّه يَسألُ ليَلتقِطَ عن عِلْمٍ، والواجبُ في مثلِهِ ألَّا يُسألَ عنه.
وقد اختلَفَ العلماءُ في البقرِ؛ فمِنهم: مَن ألحَقَها بالإبلِ؛ كالشافعيِّ وأحمدَ، ومنهم: مَن فرَّقَ وجعَلَ الأمرَ بحسَبِ حالِها ومَوْضِعِها الذي هي فيه؛ إن كانتْ تُشابِهُ الإبلَ في أمْنِها وفي استِقلالِها بنفسِها بأكلِها وشُرْبِها، أخَذَتْ حُكمَها، وإنْ شابَهَتِ الغنمَ في ذلك، أخَذَتْ حُكْمَها؛ وهذا رواهُ ابنُ وهب عن مالك، ومنهم: مَن جعَلَ البقرَ كالغنمِ بكلِّ حالٍ.
* * *
(1) أخرجه البخاري (2427)، ومسلم (1722).
في الآيةِ: استحبابُ إكرامِ الضَّيْفِ قبلَ سؤالِه، وعدمُ استئذانِهِ وإخبارِه؛ فإنَّ الملائكةَ لا نأكُلُ، ولو سألَهُمْ إبراهيمُ ما يَشتهُونَ وشاوَرَهُمْ بما سيُضِيفُهم به، لَمَا أذِنُوا له.
وتقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ التحيَّةِ والسلام في مَواضعَ، منها عندَ قولِهِ تعالى:{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} [النساء: 86].
وفي قولِه تعالى: {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ} يُستحَبُّ أنَّ مَن كَرِهَ شيئًا مِن أَضيَافِهِ ألا يُشعِرَهم بذلك، فإبراهيمُ قد عرَفوا الخشيةَ منه ولم يتكلَّمْ بها إكرامًا لهم؛ لأنَّ اللَّهَ قال:{وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} ، والتوجُّسُ هو شعورٌ تَظهَرُ علاماتُهُ على الوجهِ والبدَن، ولا يتكلَّمُ به.
* * *
قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)} [هود: 71].
في هذه الآيةِ: أنَّ زوحةَ إبراهيمَ لم تكنْ جالِسةً معهم؛ وإنَّما قائمةً، فإمَّا أن تكونَ عندَ البابِ تَسمَعُ حديثَهُم؛ وهذا هو الأظهَرُ، وإمَّا أن تكونَ تقدَّمَ على خِدْمَتِهمْ ولا تجالِسُهم؛ كما يأتي الخادِمُ بالشيءِ ثم يَذهَبُ يه، وقد تقدَّمَ الكلامُ على اختلاطِ الرَّجالِ بالنَّساءِ في المَجالِسِ الدائمة، وبيان تحريمِهِ في مَواضِعَ، منها عندَ قولهِ تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282]، وقولِهِ: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران: 96]، وقولهِ تعالى:{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36] وقولِ اللهِ تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عمران: 61]، وستأني الأشارةُ إلى ذلك عندَ قولِهِ:{لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ} [الحجرات: 11]، وقولهِ تعالى في قصةِ موسى في القَصَصِ:{وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص: 23]، وفي قولِهِ في طه:{فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} [10]، والقَصَصِ:{فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} [29]، وقد بيَّنتُ أحكامَ هذه المسألةِ في رسالةٍ عن الاختلاطِ مستقلَّةٍ.
* * *
لمَّا رأى لوطٌ عُدْوانَ قومِه في فاحِشَتِهم حتى بلَغَ أضيافَه، فجمَعَ مع ضلالِ الفِطْرةِ ارتفاعَ الحياءِ؛ فإنَّ الأضيافَ لا يُعتدَى عليهم ولو كانوا نساءً تَمِيلُ الفِطْرةُ إليهنَّ، فكيف وهم في صورةِ رِجالٍ؟ - أرادَ لُوطٌ دَفْعَ ضلالاتِهم وخِزْيِهم بعَرْضِ الزواجِ عليهم مِن النِّساءِ.
وقد استدِلَّ بقوله تعالى: {يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} على مشروعيَّةِ طلبِ الأزواجِ للبنات، ولكن قد اختُلِفَ في مُرادِ لُوطٍ عليه السلام ببَناتِه في هذه الآيةِ:
فقال قومٌ إنَّ مرادَهُ بهنَّ بَناتُهُ مِن صُلْبِه؛ وبهذا قال ابنُ إسحاقَ.
ومنهم مَن قال: إنَّه أراد نساءَ قوْمِه؛ وبهذا قال الأكثرُ؛ كمجاهِدٍ وسعيدِ بنِ جُبَيرْ (1).
وعلى كِلا القولَيْنِ يَرِدُ إشكالٌ:
فأمَّا إنْ كان مرادُهُ بنَاتِهِ مِن صُلْبه، فإنَّ قومَهُ أكثَرُ عددًا منهنَّ، فيستحيلُ أن يكونَ بناتُ رجُل واحدٍ يَستَوْعِبْنَ رجالَ قومِه؛ لأنَّ الخِطَابَ لهم في الآيةِ:{يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي} ، ولعلَّه أرادَ مَن جاءَ منهم، لا جميعهم، أو أرادَ رؤساءَهم.
وأمَّا إنْ كان مرادُهُ بَناتِ قومِه، وسَمَّاهُنَّ بَناتِه، فإنَّ النبيَّ لا يكونُ أبًا للكافرينَ، وقومُهُ رجالًا ونساءً كفارٌ؛ فلا يكونُ النبيُّ أباهم؛ فإنَّ الأنبباءَ آباءُ المؤمنينَ، وأزواجُهُمْ أمَّهاتُهم؛ كما في قولِهِ تعالى:{وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6]، وفي قراءةٍ:"وَهُوَ أبُوهُمْ"(2).
ومنهم مَن قال: إنَّه لم يَعرِضْ عليهم نِكاحًا ولا سِفاحًا؛ وإنَّما أرادَ صَدَّهم عن أضيافِه (3).
وأصرَحُ مِن هذه الآيةِ عَرْضُ صاحِبِ مَدْيَنَ على نبيِّ اللهِ موسى ابنتهُ، ويأتي الكلامُ على ذلك في سورةِ القَصَصِ عندَ قولِهِ تعالى:{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27].
* * *
(1)"تفسير الطبري"(12/ 503)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 2062).
(2)
"فضائل القرآن" للقاسم بن سلام (ص 322).
(3)
"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 2063).
تقدَّمَ الكلامُ على أكلِ قومِ شُعَيْبٍ لأموالِ الناسِ بالباطل، وبيَّنَّا ما وقَعُوا يه، وتكلَّمْنا على العُشُورِ والضرائبِ المأخوذةِ مِن الناس، عندَ قولهِ تعالى:{فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: 85].
* * *
قال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)} [هود: 113].
تتعلَّقُ الآيةُ بحُكْمِ الركونِ إلى الكافِرينَ بالاستعانةِ وما في حُكْمِها، وقد تقدَّمَ نفصيلُ ذلك عندَ قولِهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118].
* * *
قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)} [هود: 114].
هذه الآيةُ مُفسِّرةٌ لِما أُجمِلَ مِن وجوب أداءِ الصلاةِ لِوَقتها في قولِهِ تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)} [النساء: 103]، وقد جاءَ في القرآنِ بيانٌ لمَوَاقِيتِ بعضِ الصلواتِ أو جميعِها، منها في هذه الآيةِ.