المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: غزوة حمراء الأسد - السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

[أحمد أحمد غلوش]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌مقدمة

- ‌التمهيد: التعريف بالمدينة المنورة "دار الهجرة" وبيان أهميتها للدعوة

- ‌الفصل الأول: السيرة النبوية من الهجرة حتى وفاته صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: الهجرة النبوية

- ‌مدخل

- ‌النقطة الأولى: تحديد موطن الهجرة

- ‌النقطة الثانية: أهمية الهجرة

- ‌النقطة الثالثة: تنظيم الهجرة النبوية

- ‌مدخل

- ‌أولا: تآمر القرشيين على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيًا: التخطيط للهجرة

- ‌ثالثًا: عناية الله بنبيه في الهجرة

- ‌رابعًا: الوصول إلى المدينة

- ‌النقطة الرابعة: وقفات مع الهجرة

- ‌المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة

- ‌مدخل

- ‌أولا: الترحيب بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيًا: تأمين سكن النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته

- ‌ثالثًا: هجرة آل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌رابعًا: إقامة المسجد النبوي

- ‌المبحث الثالث: تنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة

- ‌مدخل

- ‌ تنظيم الإخاء بين المسلمين:

- ‌ وضع الميثاق العام لسكان المدينة:

- ‌المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة

- ‌أولا: التعريف بأمهات المؤمنين المتفق عليهن

- ‌ثانيًا: الزوجات المختلف فيهن

- ‌ثالثًا: من خطبها أو وهبت نفسها ولم يتزوجها صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الخامس: رد ما يقال عن تعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث السادس: الحكم العامة في تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث السابع: حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته رضوان الله عليهم

- ‌المبحث الثامن: أبناء النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث التاسع: الحياة الشخصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة

- ‌أولا: أكله

- ‌ثانيًا: شرابه صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثًا: نومه صلى الله عليه وسلم

- ‌رابعًا: سماحته صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث العاشر: قيامه صلى الله عليه وسلم بمهام الرسالة

- ‌الفصل الثاني: حركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة في المدينة المنورة

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: بناء المجتمع الإسلامي

- ‌مدخل

- ‌أولا: دين كامل

- ‌ثانيًا: قيادة أمينة رائدة

- ‌ثالثًا: مؤمنون صادقون

- ‌رابعًا: التفاعل التام بين المسلمين والإسلام

- ‌المبحث الثاني: تشريع الجهاد وحركة الدعوة

- ‌مدخل

- ‌أولا: تعريف الجهاد

- ‌ثانيا: مراحل تشريع الجهاد

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى: مرحلة التحمل والصبر

- ‌المرحلة الثانية: مرحلة الإذن بالقتال

- ‌المرحلة الثالثة: مرحلة القتال المقيد

- ‌المرحلة الرابعة: مرحلة الأمر بالقتال العام

- ‌المبحث الثالث: السرايا والغزوات قبل بدر

- ‌مدخل

- ‌أولا: أسباب وقوع السرايا والغزوات قبل بدر

- ‌ثانيًا: السرايا والغزوات قبل "بدر

- ‌ثالثًا: السرايا وحركة الدعوة

- ‌المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى

- ‌مدخل

- ‌أولا: أسباب الغزوة

- ‌ثانيا: مواقف الفريقين قبل المعركة

- ‌مدخل

- ‌ موقف المسلمين:

- ‌ موقف القرشيين:

- ‌ثالثًا: أحداث المعركة

- ‌رابعًا: نتائج المعركة

- ‌خامسًا: قريش والهزيمة

- ‌سادسا: المسلمون في إطار انتصار بدر

- ‌الاختلاف في توزيع الغنائم

- ‌الاختلاف في مصير الأسرى

- ‌ الابتهاج بنصر الله تعالى:

- ‌ تشريع زكاة وعيد الفطر:

- ‌سابعا: بدر في رحاب القرآن الكريم

- ‌حديث ما قبل المعركة

- ‌ حديث القرآن الكريم عن المعركة:

- ‌ حديث ما بعد المعركة:

- ‌ توجيهات قرآنية تربوية:

- ‌المبحث الخامس: أحداث ما بين بدر وأحد

- ‌مدخل

- ‌أولا: محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيًا: غزوة بني سليم

- ‌ثالثًا: غزوة السويق

- ‌رابعًا: غزوة غطفان

- ‌سادسًا: سرية زيد بن حارثة

- ‌سابعًا: غزوة بني قينقاع

- ‌ثامنًا: قتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط

- ‌تاسعًا: قتل كعب بن الأشرف

- ‌عاشرًا: أهم أحداث المجتمع الإسلامي

- ‌حادي عشر: حركة الدعوة بين بدر وأحد

- ‌المبحث السادس: غزوة أحد

- ‌مدخل

- ‌أولا: أسباب الغزوة

- ‌ثانيا: موقف أطراف معركة أحد قبل القتال

- ‌موقف المشركين

- ‌ موقف المسلمين:

- ‌ثالثا: أحداث المعركة

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى للقتال انتصار المسلمين:

- ‌المرحلة الثانية للقتال هزيمة المسلمين:

- ‌المرحلة الثالثة للقتال الصمود الإسلامي:

- ‌رابعًا: نتائج المعركة

- ‌خامسًا: الآيات الربانية الخارقة في "أحد

- ‌سادسًا: أحد في رحاب القرآن الكريم

- ‌سابعًا: أحد وحركة الدعوة

- ‌المبحث السابع: أحداث ما بين أحد والأحزاب

- ‌مدخل

- ‌أولا: غزوة حمراء الأسد

- ‌ثانيًا: سرية أبي سلمة رضي الله عنه

- ‌ثالثًا: بعث عبد الله بن أنيس

- ‌رابعًا: بعث الرجيع

- ‌خامسًا: سرية عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان

- ‌سادسًا: وقعة بئر معونة

- ‌سابعا: غزوة بني النضير

- ‌ثامنا: غزوة نجد

- ‌تاسعًا: غزوة بدر الثانية

- ‌عاشرًا: غزوة دومة الجندل

- ‌حادي عشر: أهم الأحداث الاجتماعية بين أحد والأحزاب

- ‌ثاني عشر: حركة الدعوة بين أحد والأحزاب

- ‌المبحث الثامن: غزوة الأحزاب

- ‌مدخل

- ‌أولا: وقت الغزوة

- ‌ثانيًا: تجمع الأحزاب

- ‌ثالثًا: استعداد المسلمين للأحزاب

- ‌رابعًا: سير القتال

- ‌خامسًا: الآيات الربانية الخارقة في يوم الخندق

- ‌سادسًا: حركة الدعوة خلال أيام الخندق

- ‌سابعًا: الأحزاب في رحاب القرآن الكريم

- ‌المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية

- ‌مدخل

- ‌أولا: غزوة بني قريظة

- ‌ثانيًا: قتل ابن أبي الحقيق

- ‌ثالثا: سيرة محمد بن مسلمة

- ‌رابعًا: غزوة بني لحيان

- ‌خامسًا: غزوة الغابة

- ‌سادسًا: سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر

- ‌سابعًا: السرايا إلى ذي القصة

- ‌ثامنًا: سرايا زيد بن حارثة رضي الله عنه

- ‌تاسعًا: غزوة بني المصطلق

- ‌عاشرًا: السرايا بعد غزوة بني المصطلق

- ‌حادي عشر: حركة الدعوة خلال المرحلة ما بين الأحزاب، والحديبية

- ‌المبحث العاشر: غزوة الحديبية

- ‌مدخل

- ‌أولا: سبب الغزوة

- ‌ثانيًا: التحرك للعمرة

- ‌ثالثًا: المفاوضات مع قريش

- ‌رابعًا: الصلح

- ‌خامسًا: موقف المسلمين من الصلح

- ‌سادسًا: موقف المسلمين بعد توقيع الصلح

- ‌سابعًا: عدم رد المؤمنات المهاجرات

- ‌ثامنًا: فراق الكافرات

- ‌تاسعًا: أهم ما في الحديبية من حكم

- ‌المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة

- ‌مدخل

- ‌أولا: هدوء جبهة قريش وظهور مفرزة أبي بصير رضي الله عنه

- ‌ثانيا: العمل في المحيط العام "إرسائل الرسائل

- ‌مدخل

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك مصر:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر الروم:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي وثمامة بن آثال صاحبي اليمامة:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبي شمر صاحب دمشق:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك عمان وأخيه:

- ‌ الدعاة حملة الرسائل:

- ‌ثالثا: القضاء على إرهاب اليهود في خيبر وما حولها

- ‌مدخل

- ‌ حصون خيبر:

- ‌ تحرك المسلمين نحو خيبر:

- ‌ اقتحام الحصون:

- ‌ نهاية غزوة خيبر:

- ‌ في أعقاب خيبر:

- ‌ تطهير الجبهة الشمالية من أتباع يهود خيبر:

- ‌رابعا: مواجهة القبائل المتمردة

- ‌مدخل

- ‌ غزوة ذات الرقاع:

- ‌ سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح في قديد

- ‌ سرية عمر بن الخطاب إلى تربة

- ‌ سرية بشير بن سعد إلى بني مرة:

- ‌ سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة:

- ‌ سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر:

- ‌ سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار:

- ‌ سرية أبي حدرد رضي الله عنه إلى الغابة:

- ‌ سرية أبي بكر رضي الله عنه إلى بني هلال:

- ‌ سرية غالب بن عبد الله إلى بني مرة:

- ‌خامسا: تطبيق بنود صلح الحديبية وأداء العمرة

- ‌عمرة القضاء

- ‌ سرية ابن أبي العوجاء:

- ‌ سرية غالب بن عبد الله:

- ‌سرية ذات الصلح

- ‌ سرية ذات عرق:

- ‌ سرية شجاع بن وهب إلى السي:

- ‌ سرية قطبة بن عامر إلى خثعم بتبالة:

- ‌سادسا: بدء مواجهة الرومان والقبائل التابعة لها

- ‌مدخل

- ‌ سرية مؤتة

- ‌ غزوة ذات السلاسل

- ‌ سرية الخبط:

- ‌ سرية أبي قتادة إلى خضرة:

- ‌سابعًا: حركة الدعوة في مرحلة ما بين الحديبية وفتح مكة

- ‌المبحث الثاني عشر: وتطهير الجزيرة العربية كلها من الشرك

- ‌مدخل

- ‌أولا: فتح مكة

- ‌سبب فتح مكة

- ‌ محاولة أبي سفيان تجديد الصلح:

- ‌ استعداد المسلمين لفتح مكة:

- ‌ الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة:

- ‌ مكة تحت القيادة الإسلامية:

- ‌ثانيًا: تطهير مكة وما حولها من الأصنام

- ‌ثالثا: غزوة حنين

- ‌مدخل

- ‌ استعداد المشركين للحرب:

- ‌ القتال:

- ‌ تعقب الفارين:

- ‌ غزوة الطائف:

- ‌ توزيع الغنائم:

- ‌ العودة إلى المدينة:

- ‌المبحث الثالث عشر: الاستقرار العام في الجزيرة ومواجهة غير العرب

- ‌مدخل

- ‌أولا: بعث عمال الصدقات إلى القبائل

- ‌ثانيًا: إرسال الدعاة إلى القبائل

- ‌ثالثًا: تسيير السرايا للخارجين على النظام

- ‌رابعا: غزوة تبوك والتصدى لعدوانية الرومان

- ‌استعداد المسلمين للغزوة

- ‌ نتائج الغزوة:

- ‌ موقف المنافقين بعد الغزوة:

- ‌ الثلاثة الذين تخلفوا:

- ‌المبحث الرابع عشر: السرايا والجهاد في الميزان

- ‌الجهاد ضرورة عامة

- ‌ الجهاد يحمي حرية الإنسان:

- ‌ الجهاد يصون كرامة الإنسان:

- ‌ الجهاد يبرز إيجابية الإنسان المسلم:

- ‌ الواقعية في تشريع الجهاد:

- ‌ ظهور فقه الإسلام في الجهاد:

- ‌المبحث الخامس عشر: وجاء نصر الله

- ‌مدخل

- ‌أولا: تتابع مجئ الوفود إلى المدينة

- ‌ثانيًا: نظام استقبال الوفود

- ‌ثالثًا: حج أبي بكر رضي الله عنه وإعلان نهاية الوثنية في الجزيرة العربية:

- ‌رابعًا: حجة الوداع وتحديد المعالم الكبرى في الإسلام

- ‌خامسًا: آخر بعوث النبي صلى الله عليه وسلم بعث أسامة

- ‌المبحث السادس عشر: انتقال الرسول إلى الله تعالى

- ‌الفصل الثالث: ركائز الدعوة المستفادة من المرحلة المدنية

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: ضرورة بناء الأمة الإسلامية [قاعدة الدعوة]

- ‌مدخل

- ‌أولا: إيجاد الأمة القوية

- ‌ثانيا: التزام الأمة بالإسلام

- ‌ثالثا: صيانة ثوابت الأمة

- ‌المبحث الثاني: الاهتمام بمعرفة الواقع العالمي

- ‌المبحث الثالث: أهمية التطابق بين المسلم والإسلام

- ‌مدخل

- ‌ نشر العدل:

- ‌ تحقيق القيم النبيلة:

- ‌ تعود الصبر والتحمل:

- ‌ تحقيق التكافل بين الناس:

- ‌المبحث الرابع: ضرورة الفصل التام بين الإسلام وغيره

- ‌الخاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌أولا: غزوة حمراء الأسد

‌أولا: غزوة حمراء الأسد

انسحب القرشيون من ميدان معركة "أحد" وأخذوا طريقهم إلى مكة، فلما وصلوا إلى "الروحاء" على بعد ست وثلاثين ميلا من المدينة، استراحوا بها، وأخذ قادتهم يتأملون في نتائج معركة "أحد" وفي تدبير أمورهم بعدها، فقال بعضهم لبعض: لا محمدًا أصبتم، ولا الكواعب أردفتم، فبئس ما صنعتم.

وقال عكرمة بن أبي جهل: ما صنعنا شيئًا، أصبنا أشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم وقبل أن يكون لهم وفر وقوة1.

ولما رجع المسلمون إلى المدينة بجراحهم ومصابهم باتوا ليلتهم بين الحزن والألم، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يفكر في الأمر، ويتأمله ورأى ضرورة ملاحقة كفار مكة وطلبهم ومفاجأتهم حتى لا يفكروا في الرجوع إلى المدينة.

فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي لـ"أحد"، أمر بلالا رضي الله عنه أن ينادي في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، فهب المسلمون رغم ما بهم من جراح، طاعة للنداء، وطمعًا في الثأر، وأملا في إدخال الرعب في قلوب أعداء الله حتى لا يظنوا بالمسلمين ضعفًا وخورًا.

جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه إلى قومه بني عبد الأشهل، والجراح في جميعهم فاشية، فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم فيجيبه أسيد بن حضير، وبه سبع جراحات تحتاج للعلاج: سمعًا وطاعة لله ورسوله! فأخذ سلاحه، ولم يعرج على دواء جراحه، ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجاء سعد بن عبادة قومه بني ساعدة فأمرهم بالمسير، فتلبسوا ولحقوا.

وجاء أبو قتادة أهل خربى، وهم يداوون الجراح، فقال: هذا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم، فوثبوا إلى سلاحهم، وما عرجوا على جراحاتهم، فخرج من بني سلمة أربعون جريحًا، بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبقطبة بن عامر بن حديدة تسع جراحات، حتى وافوا النبي صلى الله عليه وسلم عند بئر أبي عنبة إلى رأس الثنية وهي على

1 المغازي ج1 ص338.

ص: 392

الطريق الرئيسي بين مكة والمدينة، وعليهم السلاح، فاصطفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، والجراح فيهم فاشية قال:"اللهم ارحم بني سلمة"1.

وكان حرص المسلمين على الخروج واضحًا، لدرجة أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين له عذره في عدم الخروج لـ"أحد" واستأذنه في الخروج هذه المرة، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن مناديًا نادى ألا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس وقد كنت حريصًا على الحضور بالأمس في "أحد"، ولكن أبي خلفني على أخوات لي وقال: يا بني، لا ينبغي لي ولك أن ندعهن، ولا رجل عندهن، وأخاف عليهن، وهن بنات ضعاف، وأنا خارج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله يرزقني الشهادة، فتخلفت عليهن فاستأثره الله عليّ بالشهادة، وكنت رجوتها لنفسي، فائذن لي يا رسول الله أن أسير معك، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري2.

وولى النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة الصحابي عبد الله بن أم مكتوم.

ومن نوادر الطاعة خروج عبد الله ورافع ابني سهل بن عبد الأشهل، فلقد رجعا من "أحد" وجراحهما ثقيلة، فلما سمعا النداء عزما على الخروج، وليس لهم دابة ولا يقدران على السير، فخرجا يزحفان على بطونهما، فلما عجز رافع عن الزحف حمله أخوه عبد الله على ظهره، حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العشاء، فلما علم أمرهما قال لهما صلى الله عليه وسلم:"لو طالت لكم المدة كانت لكم مراكب من خيل، وبغال، وإبل، وليس ذلك بخير لكم"3.

وخرج مع رسول الله كل من خرج في أحد فبلغ عددهم ستمائة وسبعين رجلا وخرج معهم جابر بن عبد الله بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء رسول الله باللواء، وهو على حاله يوم "أحد" لأنه لم يحل ولم يتغير، وأعطاه لعلي بن أبي طالب، وواصل الجيش الإسلامي سيره إلى "حمراء الأسد" على بعد ستة أميال من المدينة، حتى بلغها، وعسكر بها4.

1 المغازي ج1 ص334، 335.

2 المغازي ج1 ص336، سيرة النبي ج2 ص100.

3 المغازي ج1 ص335.

4 إمتاع الأسماع ج1 ص168.

ص: 393

وأخذت الأحداث تتفاعل في كلا المعسكرين.

المشركون يفكرون في الرجوع إلى المدينة، ليدركوا ما فاتهم في القضاء على المسلمين والمسلمون يفكرون في إرهاب العدو، وطرده، وإبعاده عن المدينة حفاظًا على الذراري والنساء، وإعادة هيبتهم التي فقدوها في "أحد".

وهنا نجد دقة التحركات الإسلامية الرشيدة، والتي من أهمها:

1-

أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من أسلم ليأتوه بخبر القوم، فلحق الثلاثة بالقوم عند "حمراء الأسد" فأبصرهم القرشيون وقتلوا اثنين منهم وهما سليط، ونعمان، ابنا سفيان بن خالد من بني سهم، وأما الثالث فقد تخلف لبطئه في السير ونجا فلما وجدهما المسلمون في "حمراء الأسد" قبروهما في قبر واحد، فعرفا بالقرينين1، وقد أدى ذلك إلى زيادة خوف العدو لأنه علم ملاحقة المسلمين لهم.

2-

لما عسكر المسلمون في "حمراء الأسد" أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع الحطب في النهار على أن يوقد كل رجل منهم نارًا مستقلة، فبلغت النيران خمسمائة، تبدو عالية في البعد2، وتحدث الأعراب بهذا فأصيبوا بالذعر والخوف، وتوقعوا أن القوة الإسلامية أضعاف أضعاف ما هي عليه وأبلغوا رؤيتهم لأهل مكة.

3-

جاء معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة سلما لرسول الله والمسلمين، وقال: يا محمد لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك، فطلب منه صلى الله عليه وسلم أن يخذل الأعداء، فذهب إلى القرشيين وهم بالروحاء فقال له أبو سفيان: ما وراءك؟

قال: تركت محمدًا وأصحابه خلفي، يتحرقون عليكم بمثل النيران، وقد أجمع معه من تخلف عنه بالأمس، من الأوس والخزرج، وتعاهدوا ألا يرجعوا حتى يلحقوكم فيثأروا منكم وغضبوا لقومهم غضبًا شديدًا، ولمن أصبتم من أشرافهم.

قالوا: ويلك! ما تقول؟!

قال: والله ما أرى إلا أن نرتحل حتى نرى نواصي الخيل

1 المغازي ج1 ص338.

2 سيرة النبي ج2 ص102.

ص: 394

وأرسل معبد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من خزاعة يعلمه بانصراف القرشيين إلى مكة خائفين، مذعورين1.

4-

علم الله تعالى إخلاص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم حزبه وجنده، فجعل من بين المشركين من يخذلهم، ويصرفهم عن مهاجمة المدينة مرة أخرى، وذلك أن أبا سفيان حينما فكر مع بعض رفاقه في العودة إلى المدينة ومهاجمتها، قال له صفوان بن أمية وهو واحد من جيش القرشيين: يا قوم لا تفعلوا! فإن المسلمين قد حزنوا على ما أصابهم، وأخشى أن يجمعوا عليكم من تخلف من الخزرج، فعودوا إلى مكة، والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم.

وأدخل الله الرعب في قلوب القرشيين فأسرعوا بالرحيل إلى مكة، وأراد أبو سفيان أن يخيف المسلمين، فانتهز مرور نفر من عبد القيس يريدون المدينة، فطلب منهم أن يخبروا محمدًا وأصحابه بأن قريشًا اجتمعت على الرجعة إليهم، فلما ذكر الوفد ذلك للمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حسبنا الله ونعم الوكيل". وقويت عزائم المسلمين للقاء العدو، ورغبوا في إلحاق الأذى بالمشركين، رغم ما بهم من جراح، وفي ذلك نزل قول الله تعالى:{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} 2.

ومكث النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في "حمراء الأسد" ثلاثة أيام عادوا بعدها إلى المدينة المنورة، وقد استفاد المسلمون من غزوة "حمراء الأسد" عدة فوائد:

أ- تجديد روح التضحية، وإظهار حب المسلمين للجهاد، والاستشهاد في سبيل الله تعالى، فلقد خرجوا مع رسول الله للجهاد بعد أقل من يوم من هزيمتهم في "أحد" رغم الجراح، والآلام، وكانوا على شوق للحرب، والقتال.

ب- إبراز القوة الإسلامية، وإعلام الآخرين بها، حتى يكونوا على حذر في عداوتهم

1 سيرة النبي ج2 ص104.

2 سورة آل عمران: 172، 173.

ص: 395