الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولا: غزوة حمراء الأسد
انسحب القرشيون من ميدان معركة "أحد" وأخذوا طريقهم إلى مكة، فلما وصلوا إلى "الروحاء" على بعد ست وثلاثين ميلا من المدينة، استراحوا بها، وأخذ قادتهم يتأملون في نتائج معركة "أحد" وفي تدبير أمورهم بعدها، فقال بعضهم لبعض: لا محمدًا أصبتم، ولا الكواعب أردفتم، فبئس ما صنعتم.
وقال عكرمة بن أبي جهل: ما صنعنا شيئًا، أصبنا أشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم وقبل أن يكون لهم وفر وقوة1.
ولما رجع المسلمون إلى المدينة بجراحهم ومصابهم باتوا ليلتهم بين الحزن والألم، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يفكر في الأمر، ويتأمله ورأى ضرورة ملاحقة كفار مكة وطلبهم ومفاجأتهم حتى لا يفكروا في الرجوع إلى المدينة.
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي لـ"أحد"، أمر بلالا رضي الله عنه أن ينادي في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، فهب المسلمون رغم ما بهم من جراح، طاعة للنداء، وطمعًا في الثأر، وأملا في إدخال الرعب في قلوب أعداء الله حتى لا يظنوا بالمسلمين ضعفًا وخورًا.
جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه إلى قومه بني عبد الأشهل، والجراح في جميعهم فاشية، فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم فيجيبه أسيد بن حضير، وبه سبع جراحات تحتاج للعلاج: سمعًا وطاعة لله ورسوله! فأخذ سلاحه، ولم يعرج على دواء جراحه، ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجاء سعد بن عبادة قومه بني ساعدة فأمرهم بالمسير، فتلبسوا ولحقوا.
وجاء أبو قتادة أهل خربى، وهم يداوون الجراح، فقال: هذا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم، فوثبوا إلى سلاحهم، وما عرجوا على جراحاتهم، فخرج من بني سلمة أربعون جريحًا، بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبقطبة بن عامر بن حديدة تسع جراحات، حتى وافوا النبي صلى الله عليه وسلم عند بئر أبي عنبة إلى رأس الثنية وهي على
1 المغازي ج1 ص338.
الطريق الرئيسي بين مكة والمدينة، وعليهم السلاح، فاصطفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، والجراح فيهم فاشية قال:"اللهم ارحم بني سلمة"1.
وكان حرص المسلمين على الخروج واضحًا، لدرجة أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين له عذره في عدم الخروج لـ"أحد" واستأذنه في الخروج هذه المرة، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن مناديًا نادى ألا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس وقد كنت حريصًا على الحضور بالأمس في "أحد"، ولكن أبي خلفني على أخوات لي وقال: يا بني، لا ينبغي لي ولك أن ندعهن، ولا رجل عندهن، وأخاف عليهن، وهن بنات ضعاف، وأنا خارج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله يرزقني الشهادة، فتخلفت عليهن فاستأثره الله عليّ بالشهادة، وكنت رجوتها لنفسي، فائذن لي يا رسول الله أن أسير معك، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري2.
وولى النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة الصحابي عبد الله بن أم مكتوم.
ومن نوادر الطاعة خروج عبد الله ورافع ابني سهل بن عبد الأشهل، فلقد رجعا من "أحد" وجراحهما ثقيلة، فلما سمعا النداء عزما على الخروج، وليس لهم دابة ولا يقدران على السير، فخرجا يزحفان على بطونهما، فلما عجز رافع عن الزحف حمله أخوه عبد الله على ظهره، حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العشاء، فلما علم أمرهما قال لهما صلى الله عليه وسلم:"لو طالت لكم المدة كانت لكم مراكب من خيل، وبغال، وإبل، وليس ذلك بخير لكم"3.
وخرج مع رسول الله كل من خرج في أحد فبلغ عددهم ستمائة وسبعين رجلا وخرج معهم جابر بن عبد الله بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء رسول الله باللواء، وهو على حاله يوم "أحد" لأنه لم يحل ولم يتغير، وأعطاه لعلي بن أبي طالب، وواصل الجيش الإسلامي سيره إلى "حمراء الأسد" على بعد ستة أميال من المدينة، حتى بلغها، وعسكر بها4.
1 المغازي ج1 ص334، 335.
2 المغازي ج1 ص336، سيرة النبي ج2 ص100.
3 المغازي ج1 ص335.
4 إمتاع الأسماع ج1 ص168.
وأخذت الأحداث تتفاعل في كلا المعسكرين.
المشركون يفكرون في الرجوع إلى المدينة، ليدركوا ما فاتهم في القضاء على المسلمين والمسلمون يفكرون في إرهاب العدو، وطرده، وإبعاده عن المدينة حفاظًا على الذراري والنساء، وإعادة هيبتهم التي فقدوها في "أحد".
وهنا نجد دقة التحركات الإسلامية الرشيدة، والتي من أهمها:
1-
أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من أسلم ليأتوه بخبر القوم، فلحق الثلاثة بالقوم عند "حمراء الأسد" فأبصرهم القرشيون وقتلوا اثنين منهم وهما سليط، ونعمان، ابنا سفيان بن خالد من بني سهم، وأما الثالث فقد تخلف لبطئه في السير ونجا فلما وجدهما المسلمون في "حمراء الأسد" قبروهما في قبر واحد، فعرفا بالقرينين1، وقد أدى ذلك إلى زيادة خوف العدو لأنه علم ملاحقة المسلمين لهم.
2-
لما عسكر المسلمون في "حمراء الأسد" أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع الحطب في النهار على أن يوقد كل رجل منهم نارًا مستقلة، فبلغت النيران خمسمائة، تبدو عالية في البعد2، وتحدث الأعراب بهذا فأصيبوا بالذعر والخوف، وتوقعوا أن القوة الإسلامية أضعاف أضعاف ما هي عليه وأبلغوا رؤيتهم لأهل مكة.
3-
جاء معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة سلما لرسول الله والمسلمين، وقال: يا محمد لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك، فطلب منه صلى الله عليه وسلم أن يخذل الأعداء، فذهب إلى القرشيين وهم بالروحاء فقال له أبو سفيان: ما وراءك؟
قال: تركت محمدًا وأصحابه خلفي، يتحرقون عليكم بمثل النيران، وقد أجمع معه من تخلف عنه بالأمس، من الأوس والخزرج، وتعاهدوا ألا يرجعوا حتى يلحقوكم فيثأروا منكم وغضبوا لقومهم غضبًا شديدًا، ولمن أصبتم من أشرافهم.
قالوا: ويلك! ما تقول؟!
قال: والله ما أرى إلا أن نرتحل حتى نرى نواصي الخيل
1 المغازي ج1 ص338.
2 سيرة النبي ج2 ص102.
وأرسل معبد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من خزاعة يعلمه بانصراف القرشيين إلى مكة خائفين، مذعورين1.
4-
علم الله تعالى إخلاص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم حزبه وجنده، فجعل من بين المشركين من يخذلهم، ويصرفهم عن مهاجمة المدينة مرة أخرى، وذلك أن أبا سفيان حينما فكر مع بعض رفاقه في العودة إلى المدينة ومهاجمتها، قال له صفوان بن أمية وهو واحد من جيش القرشيين: يا قوم لا تفعلوا! فإن المسلمين قد حزنوا على ما أصابهم، وأخشى أن يجمعوا عليكم من تخلف من الخزرج، فعودوا إلى مكة، والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم.
وأدخل الله الرعب في قلوب القرشيين فأسرعوا بالرحيل إلى مكة، وأراد أبو سفيان أن يخيف المسلمين، فانتهز مرور نفر من عبد القيس يريدون المدينة، فطلب منهم أن يخبروا محمدًا وأصحابه بأن قريشًا اجتمعت على الرجعة إليهم، فلما ذكر الوفد ذلك للمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حسبنا الله ونعم الوكيل". وقويت عزائم المسلمين للقاء العدو، ورغبوا في إلحاق الأذى بالمشركين، رغم ما بهم من جراح، وفي ذلك نزل قول الله تعالى:{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} 2.
ومكث النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في "حمراء الأسد" ثلاثة أيام عادوا بعدها إلى المدينة المنورة، وقد استفاد المسلمون من غزوة "حمراء الأسد" عدة فوائد:
أ- تجديد روح التضحية، وإظهار حب المسلمين للجهاد، والاستشهاد في سبيل الله تعالى، فلقد خرجوا مع رسول الله للجهاد بعد أقل من يوم من هزيمتهم في "أحد" رغم الجراح، والآلام، وكانوا على شوق للحرب، والقتال.
ب- إبراز القوة الإسلامية، وإعلام الآخرين بها، حتى يكونوا على حذر في عداوتهم
1 سيرة النبي ج2 ص104.
2 سورة آل عمران: 172، 173.