الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية
مدخل
…
المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية
حاول أعداء الإسلام القضاء عليه لتستمر وضعيتهم الظالمة القائمة على استعباد الناس واستغلال الضعفاء، والاستغراق في شهواتهم المادية رغم ما فيها من جور وعدوان.
وقد تجلت هذه المحاولات في التضييق على المسلمين قبل الهجرة، والإصرار على القتال في "بدر"، والمجيء إلى المدينة لمقاتلة المسلمين في "أحد" و"الأحزاب".
لقد اعتمدت محاولات أعداء الإسلام على إشاعة الأكاذيب، وتضليل العامة، وتوجيه القبائل لكراهية الإسلام، والعمل على القضاء على المسلمين، وصد الناس عن دينهم الذي يعيشون به وله.
ولا يمكن لعاقل أن يسلم بأحقية هذه المحاولات الظالمة، لأن الإسلام في جوهره دين يخلص الناس من العبودية لغير الله، ويربطهم بقيم نبيلة، وأخلاق عالية، ويجدد الحقوق والواجبات لكل مخلوق، ويضع منهجًا ينظم كافة جوانب الحياة، ويصون الكرامة الإنسانية للبشر أجمعين.
إن الإسلام دين يحقق السعادة، وينشر السلام، ويحفظ النفس، والعقل، والولد، والمال، والعقيدة؛ ولذلك فهو دين يتوافق مع العقل السوي، والمصلحة الحقيقة لسائر الأحياء، ولكافة جوانب الحياة، وكل من يتدبر تعاليم الإسلام ينكر أي عدوان فيها ولا يصدق أي كلام يقال عن الإسلام مهما تزين، وتزخرف.
رأى المسلمون محاولات الأعداء ضد دينهم فرفضوها، وكان الله معهم فشرع الجهاد على مراحل متعددة، ليتفق التشريع مع كل جديد يحتاج إليه.
لقد بدأ تشريع الجهاد بالإذن فيه بعد الهجرة، ثم كان الأمر بقتال من يعتدي عند "أحد" وأخيرًا كان الأمر بالقتال العام بعد الخندق؛ لأن الأحزاب حين تجمعوا، وأتوا من كل صوب وحدب، كانوا يقصدون القضاء على المسلمين والإسلام، وبهذا بلغوا قمة التحدي، ومثلوا غاية العدوان في استهتار واضح بالقوة الإسلامية.
ولما تجمع الأحزاب حول المدينة بانت حقيقة اليهود، والمنافقين، وقبائل الجزيرة جميعًا وتأكد المسلمون أن وجود اليهود، والمنافقين في المدينة، أو في ضواحيها، يمثل
خطورة بالغة لأنهم على علم بأحوال المسلمين وأخبارهم، ويمكنهم مفاجأة المسلمين، والغدر بهم في أي وقت كما أن لهم صلات بأهل مكة وبالقبائل العربية يستغلونها في إشاعة الأكاذيب، وصرف الناس عن التفكير في حقيقة الإسلام.
إن المسلمين عباد الله، وهبوا أنفسهم للحق، وجعلوا أرواحهم في خدمة دينهم، ولذلك عز عليهم تصرفات أعدائهم، وصدهم الناس عن دين الله تعالى، فلما فرض القتال العام بعد الأحزاب أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، في توجيه أصحابه للتصدي للطغاة المعتدين لأن إمهالهم يعطيهم فرصة للإعداد، والتجهيز، وإعادة مهاجمة المدينة مرة أخرى.
لقد صدق الله وعده للمسلمين في يوم الأحزاب، فأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأرسل عليهم ريحًا، وجنودًا من الملائكة، وأدخل الرعب في قلوبهم، حتى تمكن المسلمون منهم ففروا هاربين كل إلى موطنه الذي جاء منه.
وقد فهم الأحزاب، وكل من والاهم نتيجة معركة الخندق على غير وجهها الصحيح الأمر الذي أدى بهم إلى اتخاذ مواقف خاطئة، ذلك أنهم ربطوا هزيمة الأحزاب بأسباب بعيدة عن الحقيقة، حيث أرجعوها إلى تغير المناخ، وهبوب الريح، وشدة الأعاصير، وتصوروا أن ما حدث أمر طبيعي رأوا مثله في فيافي الجزيرة كثيرًا، وليس بلازم أن يتكرر مرة أخرى في أي لقاء لهم مع المسلمين، وفكروا كذلك في انقسام الأحزاب على أنفسهم، وشك كل فريق في غيره، عندما تصور كل منهم أن الفريق الآخر نقض عهده إما لانضمامه للمسلمين، أو لخوفه منهم.
وأدى بهم هذا الفهم إلى استمرار استهانتهم بالمسلمين، فتصوروهم ضعافًا لا يمكنهم الخروج من المدينة، ولذلك استمروا في إعداد العدة، وتجهيز السلاح لمهاجمة المسلمين، كل قبيلة على حدة، مبتعدين عن تكتل القبائل، وتجمع الأحزاب مرة أخرى، بعدما أصيبوا بهذا التجمع عند الخندق.
وحقيقة الواقع تؤكد خطأ المشركين في تحليل أسباب هزيمتهم؛ لأن ما حدث قدر إلهي نصر الله به عباده المؤمنين، وهو سبحانه قادر على إعادته وغيره لنصر المسلمين إن نصروا الله، وأخلصوا في الجهاد والنية، وما تفكك الأحزاب، وإحداث الوقيعة بينهم إلا قدر إلهي قضى به ليتم نصره، ويؤيد جنده.
وكما تأمل المشركون في نتائج معركة الخندق تأمل المسلمون فيها أيضًا، وأدركوا أن الله معهم، وأن جند الله لا ينحصرون في صورة، أو عدد، أو جهة، أو في شيء؛ لأن لله جنود السماوات والأرض، وما يعلم جنود ربك إلا هو.
وصل المسلمون إلى نتيجة هي الحق حيث رأوا أن القبائل لن تسكت عن مهاجمة المسلمين، وستحاول كل قبيلة أن تفعل كل ما تقدر عليه، وبخاصة أن المسلمين حوصروا ولم يفعلوا شيئًا، ولولا الخندق لقضى الكفار عليهم.
لكل هذا حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تتبع أخبار القبائل، فأرسل عيونه في الجزيرة العربية كلها، فعادوا إليه بتأييد ما توقعه المسلمون، ولذلك كانت الغزوات والسرايا إلى هذه القبائل منعًا لغدرهم، وحتى لا يتمكنوا من الهجوم على المدينة مرة أخرى.
وكان الوحي الكريم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجهه إلى ما يجب عمله، وبذلك تحددت معالم الحركة، واتضحت السبل المؤدية لحماية الإسلام والمسلمين، وشرعها الوحي للناس لتبقي درسًا عمليًا، وخطة واقعية، أمام المسلمين إلى يوم القيامة.
لقد كان من الضروري مواجهة العداوات التي بثها المشركون بين القبائل العربية والإسراع في منعهم من الإعداد والهجوم، ولذلك تعددت الغزوات، وكثرت السرايا بعد الأحزاب، ووصلت إلى الأماكن البعيدة في نجد والشام.
وقام المسلمون بواجبهم الذي كلفوا به، وقادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته، وأعانهم في سراياه، وبذلك لم يتركوا ظالمًا يعتدي، ولم يدعو طاغوتًا يستبد ويفتري، وصانوا حرية الدعوة وحرية الناس، وكانوا رضي الله عنهم بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم حركة إيجابية دائمة بالإسلام، وسيفًا مسلطًا على رقاب كل معتد أثيم.
إن العدل بالمسلمين صار له رجاله، والدعوة إلى الله وجدت في الجهاد خير من يحميها، وأصبح الطريق المستقيم صافيًا، نقيًا.
لقد تعددت الأحداث، وتنوعت بعد الأحزاب، واستمرت حتى صلح الحديبية وجرت في مسارها المشروع الذي قدره الله لها، وكما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا المبحث سأتناول أهم هذه الأحداث، وذلك فيما يلي: