الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس عشر: انتقال الرسول إلى الله تعالى
أسلمت الجزيرة كلها، وأخذ الفرس والروم في تفهم الإسلام والتعامل معه وتأكدت حقائق الدين بكل جوانبه، فتمت مصادره، وتحددت معالمه، ونزل كل ما يحتاجه الإسلام من وحي الله تعالى ولذلك نزل قوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} 1.
وقد فهم كثير من الصحابة أن هاتين الآيتين فيهما نعي رسول الله3 وإخبار بقرب انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى؛ لأن الرسالة هي غاية مجيء محمد صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا، فإذا ما كملت الرسالة وتم الدين ونزل ما رضيه الله للناس لم يعد هناك داع لبقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة بين الناس.
وقد أعد الله الأمة لتقبل رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدارس جبريل عليه السلام محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن في رمضان الأخير مرتين، وكان يدارسه قبل ذلك في كل رمضان مرة واحدة.
وعلم النبي أصحابه على إدارة شئون الحياة، والمحافظة على الإسلام، والحركة بالدعوة عن طريق قيادة السرايا، وإدارة شئون المدينة، وإقامة الصلاة، والدعوة إلى الإسلام فرادى وجماعات، في إطار تعاليم الله الثابتة، ومنهجه الذي يحرص المسلمون على تطبيقه، وصيانته من كل عبث، والدفاع عنه ضد كل معتد أثيم.
وبكل هذا أدى الرسول وظيفته، وأتم الغاية التي خلق لها، ووصل إلى النهاية.
وجاء وقت الرحيل، فاعتكف صلى الله عليه وسلم في رمضان من العام العاشر عشرين يومًا وكان يعتكف قبل ذلك عشرًا، وجاءه جبريل فدارسه القرآن مرتين، وكان يدارسه
1 سورة المائدة: 3.
2 سورة النصر.
3 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض رسول الله ج7 ص93.
قبل ذلك مرة واحدة، وقال لأصحابه في حجة الوداع:"إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا". وكرر ذلك.
يقول ابن مسعود: نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، حين دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة رضي الله عنها، فنظر إلينا فشدد ودمعت عيناه وقال:"مرحبًا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، آواكم الله، حفظكم الله، رفعكم الله، وفقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلفه عليكم، وأؤديكم إليه، إني لكم منه نذير وبشير ألا تعلو على الله في عباده، وبلاده فإنه قال لي ولكم {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} "1.
قلنا: فمتى أجلك؟
فقال صلى الله عليه وسلم: "دنا الفراق والمنقلب إلى الله وسدرة المنتهى والرفيق الأعلى وجنة المأوى". فقلنا: من يغسلك؟
فقال: "أهلي".
قلنا: فيم نكفنك؟
قال: "في ثيابي أو في بياض".
قلنا: فمن يصلي عليك؟
قال: "مهلا، غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيكم خيرًا". فبكينا وبكى، ثم قال:"ضعوني على سريري على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة ليصلي عليّ جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت مع الملائكة، ثم ادخلوا عليّ فوجًا فوجًا فصلوا عليّ ولا تؤذوني بتزكية ولا رنة، أقرئوا أنفسكم مني السلام، ومن غاب من أصحابي فأقرئوه مني السلام، ومن تابعكم على ديني فأقرئوه السلام"2.
وفي أوائل صفر من العام الحادي عشر للهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبل أحد
1 سورة القصص: 83.
2 الكامل في التاريخ ج2 ص319.
ليودع الأموات كالأحياء، ثم خطب في أصحابه وقال:"إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني أنظر إليكم من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوها"1.
وفي ليلة من ليالي صفر من نفس العام خرج إلى البقيع وخاطب الموتى قائلا: "السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن عليكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى 2
…
وإنا بكم للاحقون". ولما رجع صلى الله عليه وسلم من البقيع وجد عائشة تشكو ألمًا وتقول: وارأساه.
فقال صلى الله عليه وسلم: "بل أنا والله يا عائشة وارأساه، وما ضرك لو مت قبلي فقمت إليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك".
قالت رضي الله عنها: والله لكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونام به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى اشتد عليه المرض وهو في بيت ميمونة3.
وفي يوم الاثنين التاسع والعشرين من صفر بدأ مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخير الذي استمر أربعة عشر يومًا.
ولما ثقل المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يسأل: "أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا"؟ 4.
يستعجل يوم عائشة رضي الله عنها ففهم الصحابة، وفهمت أمهات المؤمنين مراد النبي صلى الله عليه وسلم بسؤاله فأذن له أن يستمر عند عائشة مدة مرضه، فانتقل صلى الله عليه وسلم إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب وذلك بعد مرضه بسبعة أيام5.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم خرج يومًا بين العباس وعلي حتى جلس على المنبر فحمد الله تعالى ثم قال:
1 صحيح البخاري، كتاب المغازي باب غزوة أحد ج6 ص286.
2 الكامل ج2 ص318.
3 الكامل لابن الأثير ج2 ص318.
4 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص102.
5 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص98.
"أيها الناس إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليّ مني حقًا إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس". ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى، فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال:"أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة". ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم، ثم قال:"إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عندنا فاختار ما عنده"1.
وفي يوم الأربعاء قبل وفاته بخمسة أيام قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس".
فقالت عائشة يا رسول الله: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مه إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس"2.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين العباس وعلي لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تتأخر وقال لهما:"أجلساني إلى جنبه". فأجلساه إلى جنب أبي بكر الأيسر، فكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر3.
وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما أنه لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال صلى الله عليه وسلم وهو كذلك:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا.
وقال صلى الله عليه وسلم: "قاتل الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحرم ذلك على أمته.
1 الكامل ج2 ص319.
2 سيرة النبي ج2 ص652.
3 سيرة النبي ج2 ص653.
تقول عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا1.
وعن ابن عباس أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي مات فيه فسأله الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله؟
فقال: أصبح بحمد الله بارئًا.
فأخذ العباس بن عبد المطلب بيد علي وقال له: يا علي أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف بني عبد المطلب عند الموت اذهب بنا إلى رسول الله فلنسألنه فيمن هذا الأمر بعده؟ إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا.
فقال علي: إنا لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس من بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله2.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم"3.
يقول ابن إسحاق: فكان المسلمون يرون أن رسول الله مات شهيدًا، مع ما أكرمه الله به من النبوة.
تقول عائشة رضي الله عنها: لدنا "رسول الله" صلى الله عليه وسلم في مرضه، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا: يقول ذلك كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال:"ألم أنهكم أن تلدوني"؟.
قلنا: فهمناه كراهية المريض للدواء.
فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى أحد في البيت إلا لد قصاصًا وأنا أنظر، فلدوا جميعًا إلا العباس فإنه لم يشهد معهم".
وزاد ألم المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الخميس قبل وفاته بأربعة أيام.
يقول ابن عباس رضي الله عنه: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله وجعه فقال:
1 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص99.
2 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص100.
3 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص93.
ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع.
فقال عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول: غير ذلك.
فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال صلى الله عليه وسلم: "قوموا عني". فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب ذلك الكتاب وذلك لاختلافهم ولغطهم1.
ويجب أن يكون واضحًا أن ما أراد رسول الله كتابه كان أمرًا عاديًا لأنه لو كان من واجبات الشريعة لكتبه صلى الله عليه وسلم بلا تأثر بكلام عمر أو بكلام غيره لسابق حسمه في أمور الدين، وأيضا فقد سبق ذلك إعلان تمام الدين وكماله.
وحكمة الله في عدم كتابة أمر في هذا الوقت واضحة منعًا لمن يقول: إن المريض قد يختلف عليه عقله إذا اشتد مرضه.
فإذا ما تصورنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يعهد لأبي بكر رضي الله عنه في الكتاب الذي كان يريده كما رجح البعض فإنه دليل على ثانوية الأمر، وحتى يبقى هذا الشأن شورى بين المسلمين لم يغيره صلى الله عليه وسلم كلام عمر ولا غيره.
وكان صلى الله عليه وسلم قد قال لعائشة في مرضه هذا: "لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابًا وأعهد عهدًا لئلا يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر". فلم يكن والله أعلم الكتاب الذي أراد أن يكتب إلا في استخلاف أبي بكر.
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفس على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي مات فيه طفقت أنفس عنه بالمعوذات التي كان ينفس، وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه لبركتها.
ولما كان يوم الاثنين والناس في صلاة الفجر وأبو بكر يصلي لهم لم يفاجئهم إلا رسول الله يكشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسم
1 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ج7 ص94.
يضحك سرورًا باستقامة أمر الناس وإخلاصهم مع الدين لله وهو ليس معهم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهم الناس أن يفتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليهم بيده رسول الله أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر1، وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفاق من وجعه فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح حيث كان مسكنه.
ومع هذا التصور الذي شعر به المسلمون بعد صلاة الفجر كانت هي الصلاة الأخيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث توفي صباح يوم الاثنين وهو عند عائشة رضي الله عنها.
تقول عائشة: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه، ودخل عليّ عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندة رسول الله إلى صدري فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناوله فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته بأمره فاستن به وهو مستند إلى صدري، وبين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول:"لا إله إلا الله، إن للموت سكرات"2.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه لن يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا أو يخير". فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال:"اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم الرفيق الأعلى". فكان آخر كلمة تكلم بها: "اللهم الرفيق الأعلى"3.
فلما رأت عائشة رضي الله عنها شدة الموت التي لحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فلا أكره شدة الموت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم4.
ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم مالا، وخرج من الدنيا وهو مدين، يقول عمرو بن الحارث: ما ترك
1 صحيح البخاي كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص101.
2 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص96.
3 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص99.
4 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص105.
النبي صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة.
وعن عائشة: توفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير1. وعن أنس بن مالك قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه. فقال لها صلى الله عليه وسلم: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم". فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه مَنْ جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب2.
وعن عائشة قالت: دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة في شكواه التي قبض فيها فسارها فبكت، ثم دعاها فسارها فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت: سارني أنه يقبض في وجعه، الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته يتبعه فضحكت3.
وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة4 ومثل اليوم الذي ولد فيه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟
فقالوا: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا.
فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاضية برد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيني، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم"5.
وعن ابن عباس قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ملحفة منعطفًا بها على منكبيه، وعليه عصابة دسماء حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد أيها
1 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص106.
2 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص95.
3 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص95.
4 سيرة النبي ج2 ص655.
5 صحيح البخاري كتاب المناقب باب قول النبي: اقبلوا من محسنهم ج6 ص154.
الناس فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح للطعام، فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه، فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم" 1.
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسنح، حيث كان مسكنه بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله، ولكنه ذهب لملاقاة ربه، كما ذهب موسى عليه السلام لملاقاة ربه أربعين يومًا وسيرجع والله ما كان في نفسي إلا ذلك وليبعثه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم.
فجاء أبو بكر على فرس من منزله بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا.
ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال له أبو بكر: أيها الحالف على رسلك، فأقبل إليه الناس وتركوا عمر، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون} 2، وقال تعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} 3.
فأخذ الناس يبكون وقد تيقنوا موت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ابن عباس: والله لكأني بالناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها.
وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أن رسول الله قد مات4.
1 صحيح البخاري كتاب المناقب باب قول النبي: اقبلوا من محسنهم ج6 ص155.
2 سورة الزمر: 30.
3 سورة آل عمران: 144.
4 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص104.
ولما عرفوا أنه صلى الله عليه وسلم مات دهش الناس وطاشت عقولهم، فمنهم من خبل، ومنهم من أصمت، ولم يكن أثبت وأحزم من أبي بكر والعباس1.
وقد قضى المسلمون بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء في اختيار خليفة رسول الله بعد وفاته وبعد مشاورات تمت بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ووقى الله المسلمين شر الفتنة.
ولما فرغ الناس من بيعة أبي بكر، وجمعهم الله على خليفة واحد، وصرف عنهم كيد الشيطان أقبلوا على تجهيز نبيهم.
يروي ابن إسحاق بسنده أن علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وقثم بن العباس، وشقران مولى رسول الله، وأسامة بن زيد هم الذين تولوا غسله، وأن أوس بن خولى -وكان بدريًا- دخل معهم، وحضر غسل رسول الله، وأسنده إلى صدره، وكان العباس والفضل وقثم يقبلونه معه، وكان أسامة بن زيد وشقران هما اللذان يصبان الماء عليه، وعليّ يغسله بعدما أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه به من ورائه لا يفضي بيده إلى رسول الله، وعليّ يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيًا وميتًا، ولم ير من رسول الله ما يرى من الميت2.
حدثني يحيى بن عبادة بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله من ثيابه؟
فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون والقميص دون أيديهم، فلما فرغوا من غسله كفنوه في ثلاثة أثواب صحاريين وبرد وحبرة أدرج فيها إدراجًا.
وحدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تساءلوا عن طريقة الحفر هل يحفرون كحفر أهل مكة أو كحفر أهل المدينة؟ وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهيل
1 مختصر السيرة ص460 إلى 465.
2 صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ج7 ص103.
هو الذي كان يحفر لأهل المدينة وكان يلحد.
فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وللآخر اذهب إلى أبي طلحة ثم دعا الله قائلا: اللهم خر لرسول الله، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله.
فلما فرغ الصحابة من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء وضع سريره في بيته، وقد اختلف المسلمون في دفنه فقال قائل: ندفنه في مسجده.
وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه.
فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض". فرفع فراش رسول الله الذي توفي عليه فحفر له تحته.
ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا يصلون عليه عشرًا عشرًا، حتى إذا فرغ الرجال دخل النساء، حتى إذا فرغ النساء دخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله أحد وقاموا بدفنه صلى الله عليه وسلم والنساء عنه بعيد تقول عائشة رضي الله عنها: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل من ليلة الأربعاء.
وكان الذين نزلوا في قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم بن العباس، وشقران مولاه وأوس بن خولى، وجعلوا تحته صلى الله عليه وسلم قطيفة كان يلبسها ويفترشها، وكان آخر الناس عهدًا به قثم بن عباس.
وبعد مدة ذهب أبو بكر وعمر لزيارة أم أيمن رضي الله عنها كما كان رسول الله يفعل فلما رأتهما بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله.
قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكني أبكي لأن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فأخذا يبكيان1.
وهكذا..
انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى وترك من ورائه أمته تحمل الأمانة، وتقدر المسئولية، وتعلم عن يقين أن الله تعالى سيحاسبها بميزان الوحي الذي تركه صلى الله عليه وسلم في
1 صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضائل أم أيمن ج16 ص9، 10.
الناس، ليكون شاهدًا فيهم. انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله بعد أن ترك الإسلام كله، وصار كل شيء بينا حكمه، معروفة جنباته. حيث لا عذر بعد ذلك لناقض، أو كسول، ولا أهمية لعداوة أو نفاق.
انتقل رسول الله إلى ربه بذاته، وترك في أمته الوحي كله، وعرفهم أنه ترك لهم ما فيه كل الفلاح والهدى، يقول صلى الله عليه وسلم:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي"1.
انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه بعد أن وضح لأمته طريقة الحياة بعزة، وكرامة، وأخلاق وبعد أن وضع أيديهم على الحقائق التالية:
1-
الإنسان متميز عن سائر المخلوقات بحقوق تناسبه ولا بد من المحافظة عليها، والوفاء بواجباتها بالمنهج الذي عاشه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته.
2-
القوة المادية أساس حماية العزة والكرامة، والضعفاء لا ينالون إلا الهوان، والذل وضياع الحقوق.
3-
الإسلام أمانة في عنق كل مسلم، ومصادره وتعاليمه واضحة بينة، ولا عذر لمسلم في البعد عن الإسلام بصورة كلية أو جزئية، ولا عذر للأمة إن قصرت في واجبات الإسلام.
4-
سينتقل الجميع إلى الله، وسيحاسبون على كل ما قدموا ولن ينفع إلا الصدق، والإيمان، والعمل الصالح، وستجزى كل نفس بما عملت، وما ربك بظلام للعبيد.
1 فيض القدير ج3 ص240.