الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال صلى الله عليه وسلم: "الرأي ما أشرت، ثم تحول إلى مكان آخر".
ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال صلى الله عليه وسلم: "قفوا". فوقف الجيش فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، فإنا لنسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا بسم الله".
ولما كانت ليلة الدخول قال: "لأعطين الراية غدًا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين علي بن أبي طالب".
فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه.
قال: "فأرسلوا إليه". فأتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.
فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟
قال صلى الله عليه وسلم: "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم"1.
1 صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر ج6 ص383.
3-
اقتحام الحصون:
وصل المسلمون إلى مجموعة النطاة، وعرض علي بن أبي طالب على أهل النطاة الإسلام فأبوا، فعرض عليهم الاستسلام ودفع الجزية فأبوا، وهنا كان لا بد من قتالهم حتى ينزلوا على حكم الله تعالى.
بدأ المسلمون بمهاجمة مجموعة "النطاة" فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كيدًا لهم وفتحًا للطريق إليهم وإزالة للموانع الموجودة أمام حصونهم بقطع نخيلهم، وقد بلغ عدد النخيل الذي قطع أربعمائة نخلة، وكان المسلمون يعسكرون ليلا بالرجيع، ويهاجمون النطاة نهارًا
ومن يجرح منهم يأخذوه إلى الرجيع، واستمر المسلمون على ذلك سبعة أيام، جرح منهم عدد كثير، حيث جرح منهم خمسون رجلا في أول يوم، وقد جرح محمد بن مسلمة بعدما أدلى عليه "مرحب" اليهودي رحى هشمت بيضته وجرح حليفة، فعالجه النبي صلى الله عليه وسلم وأخذه إلى الرجيع، فمات بها بعد ثلاثة أيام.
واشتد الأمر على المسلمين فساق الله إليهم يهودي، وأخذ ينادي: أنا آمن وأبلغكم؟
فقالوا: نعم.
فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدله على عورة اليهود فغدوا عليهم، فظفرهم الله بهم.
وبعد سقوط تحصينات النطاة وجد المسلمون أنفسهم أمام حصن الناعم، وهو الحصن الرئيسي في النطاة وصاحبه هو "مرحب اليهودي" الذي كان يعد بألف فارس.
دعا علي بن أبي طالب أهل الحصن إلى الإسلام فأبوا، فخرج "مرحب" وطلب المبارزة فبارزه أولًا عامر بن الأكوع فاستشهد عامر رضي الله عنه فدعا مرحب إلى المبارزة مرة أخرى فخرج له علي بن أبي طالب وقتله.
ولما دنا علي رضي الله عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن، وقال: من أنت؟
فقال: أنا علي بن أبي طالب.
فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى.
ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول: من يبارز؟
فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول الله، يقتل ابني؟
قال صلى الله عليه وسلم: "بل ابنك يقتله". فقتله الزبير.
ودار القتال المرير حول حصن ناعم طوال الأيام السبعة، قتل فيه عدة سراة من اليهود، انهارت بعده مقاومة اليهود، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب، واقتحم المسلمون حصن ناعم، واستولوا على عدد من الحصون التابعة له.
وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم،
وفي النطاة وقد ملأه اليهود بالطعام، وأسكنوا فيه الذراري، والنساء.
قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث جاء بنو سهم للنبي صلى الله عليه وسلم وشكوا إليه حالهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لفتح هذا الحصن دعوة خاصة.
فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعامًا وودكًا". فغدا الناس ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه1.
ولما ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن، كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجمة، ودار البراز والقتال أمام الحصن، وقد فتح الحصن في ذلك اليوم وهو الثالث قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات.
وبعد فتح حصن ناعم والصعب تحول اليهود إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع في رأس تلة عالية، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه، ففرض عليه رسول الله الحصار، وأقام محاصرًا له ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليل يشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك، فقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى الشق، وتحصنوا بقلعة أبي، ففرض المسلمون عليهم الحصار، فلما طلب اليهود المبارزة وخرج منهم رجلان بارزهم المسلمون، وقتلوهما.
وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء، وقد أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة،
1 الرحيق المختوم ص370، 371.
واقتحمها معه الجيش الإسلامي، وجرى قتال مرير داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في المجموعة الثانية.
وكان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة، وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل، ولذلك جمعوا في هذه القلعة الذراري والنساء وساعدوا من كان في الصعب منهم على الانسحاب إليه حينما رأوا بوادر سقوط الحصن في يد المسلمين.
وفرض المسلمون على هذا الحصن الحصار الشديد، وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولأن الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يجدوا سبيلا لاقتحامه، ولم يجرؤ اليهود على الخروج من الحصن، للاشتباك مع قوات المسلمين، لكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال، وبإلقاء الحجارة.
وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصب آلات المنجنيق، وقذفوا بها القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير داخل الحصن، انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى، ففر أغلبهم من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم.
وبعد فتح هذا الحصن المنيع ثم فتح النطاة والشق، وهرب اليهود إلى المنطقة الثالثة.
ولما تم فتح ناحية النطاة والشق، تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجموعة الكتيبة وفيها حصون الوطيح والسلالم والقموص حصن أبي الحقيق من بني النضير، وقد جاء إليها أغلب من انهزم من النطاة والشق، وتحصن هؤلاء أشد التحصن.
واختلف أهل المغازي هل جرى قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا؟
فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص، بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجري هناك مفاوضة للاستسلام.
أما الواقدي، فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاثة إنما أخذت بعد المفاوضة، ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارة القتال وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دونما قتال.
وقد فرض رسول الله على منطقة الكتيبة أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يومًا، واليهود لا يخرجون من حصونهم، حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح.