المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث السابع: حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته رضوان الله عليهم - السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

[أحمد أحمد غلوش]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌مقدمة

- ‌التمهيد: التعريف بالمدينة المنورة "دار الهجرة" وبيان أهميتها للدعوة

- ‌الفصل الأول: السيرة النبوية من الهجرة حتى وفاته صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: الهجرة النبوية

- ‌مدخل

- ‌النقطة الأولى: تحديد موطن الهجرة

- ‌النقطة الثانية: أهمية الهجرة

- ‌النقطة الثالثة: تنظيم الهجرة النبوية

- ‌مدخل

- ‌أولا: تآمر القرشيين على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيًا: التخطيط للهجرة

- ‌ثالثًا: عناية الله بنبيه في الهجرة

- ‌رابعًا: الوصول إلى المدينة

- ‌النقطة الرابعة: وقفات مع الهجرة

- ‌المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة

- ‌مدخل

- ‌أولا: الترحيب بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيًا: تأمين سكن النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته

- ‌ثالثًا: هجرة آل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌رابعًا: إقامة المسجد النبوي

- ‌المبحث الثالث: تنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة

- ‌مدخل

- ‌ تنظيم الإخاء بين المسلمين:

- ‌ وضع الميثاق العام لسكان المدينة:

- ‌المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة

- ‌أولا: التعريف بأمهات المؤمنين المتفق عليهن

- ‌ثانيًا: الزوجات المختلف فيهن

- ‌ثالثًا: من خطبها أو وهبت نفسها ولم يتزوجها صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الخامس: رد ما يقال عن تعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث السادس: الحكم العامة في تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث السابع: حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته رضوان الله عليهم

- ‌المبحث الثامن: أبناء النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث التاسع: الحياة الشخصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة

- ‌أولا: أكله

- ‌ثانيًا: شرابه صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثًا: نومه صلى الله عليه وسلم

- ‌رابعًا: سماحته صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث العاشر: قيامه صلى الله عليه وسلم بمهام الرسالة

- ‌الفصل الثاني: حركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة في المدينة المنورة

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: بناء المجتمع الإسلامي

- ‌مدخل

- ‌أولا: دين كامل

- ‌ثانيًا: قيادة أمينة رائدة

- ‌ثالثًا: مؤمنون صادقون

- ‌رابعًا: التفاعل التام بين المسلمين والإسلام

- ‌المبحث الثاني: تشريع الجهاد وحركة الدعوة

- ‌مدخل

- ‌أولا: تعريف الجهاد

- ‌ثانيا: مراحل تشريع الجهاد

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى: مرحلة التحمل والصبر

- ‌المرحلة الثانية: مرحلة الإذن بالقتال

- ‌المرحلة الثالثة: مرحلة القتال المقيد

- ‌المرحلة الرابعة: مرحلة الأمر بالقتال العام

- ‌المبحث الثالث: السرايا والغزوات قبل بدر

- ‌مدخل

- ‌أولا: أسباب وقوع السرايا والغزوات قبل بدر

- ‌ثانيًا: السرايا والغزوات قبل "بدر

- ‌ثالثًا: السرايا وحركة الدعوة

- ‌المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى

- ‌مدخل

- ‌أولا: أسباب الغزوة

- ‌ثانيا: مواقف الفريقين قبل المعركة

- ‌مدخل

- ‌ موقف المسلمين:

- ‌ موقف القرشيين:

- ‌ثالثًا: أحداث المعركة

- ‌رابعًا: نتائج المعركة

- ‌خامسًا: قريش والهزيمة

- ‌سادسا: المسلمون في إطار انتصار بدر

- ‌الاختلاف في توزيع الغنائم

- ‌الاختلاف في مصير الأسرى

- ‌ الابتهاج بنصر الله تعالى:

- ‌ تشريع زكاة وعيد الفطر:

- ‌سابعا: بدر في رحاب القرآن الكريم

- ‌حديث ما قبل المعركة

- ‌ حديث القرآن الكريم عن المعركة:

- ‌ حديث ما بعد المعركة:

- ‌ توجيهات قرآنية تربوية:

- ‌المبحث الخامس: أحداث ما بين بدر وأحد

- ‌مدخل

- ‌أولا: محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيًا: غزوة بني سليم

- ‌ثالثًا: غزوة السويق

- ‌رابعًا: غزوة غطفان

- ‌سادسًا: سرية زيد بن حارثة

- ‌سابعًا: غزوة بني قينقاع

- ‌ثامنًا: قتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط

- ‌تاسعًا: قتل كعب بن الأشرف

- ‌عاشرًا: أهم أحداث المجتمع الإسلامي

- ‌حادي عشر: حركة الدعوة بين بدر وأحد

- ‌المبحث السادس: غزوة أحد

- ‌مدخل

- ‌أولا: أسباب الغزوة

- ‌ثانيا: موقف أطراف معركة أحد قبل القتال

- ‌موقف المشركين

- ‌ موقف المسلمين:

- ‌ثالثا: أحداث المعركة

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى للقتال انتصار المسلمين:

- ‌المرحلة الثانية للقتال هزيمة المسلمين:

- ‌المرحلة الثالثة للقتال الصمود الإسلامي:

- ‌رابعًا: نتائج المعركة

- ‌خامسًا: الآيات الربانية الخارقة في "أحد

- ‌سادسًا: أحد في رحاب القرآن الكريم

- ‌سابعًا: أحد وحركة الدعوة

- ‌المبحث السابع: أحداث ما بين أحد والأحزاب

- ‌مدخل

- ‌أولا: غزوة حمراء الأسد

- ‌ثانيًا: سرية أبي سلمة رضي الله عنه

- ‌ثالثًا: بعث عبد الله بن أنيس

- ‌رابعًا: بعث الرجيع

- ‌خامسًا: سرية عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان

- ‌سادسًا: وقعة بئر معونة

- ‌سابعا: غزوة بني النضير

- ‌ثامنا: غزوة نجد

- ‌تاسعًا: غزوة بدر الثانية

- ‌عاشرًا: غزوة دومة الجندل

- ‌حادي عشر: أهم الأحداث الاجتماعية بين أحد والأحزاب

- ‌ثاني عشر: حركة الدعوة بين أحد والأحزاب

- ‌المبحث الثامن: غزوة الأحزاب

- ‌مدخل

- ‌أولا: وقت الغزوة

- ‌ثانيًا: تجمع الأحزاب

- ‌ثالثًا: استعداد المسلمين للأحزاب

- ‌رابعًا: سير القتال

- ‌خامسًا: الآيات الربانية الخارقة في يوم الخندق

- ‌سادسًا: حركة الدعوة خلال أيام الخندق

- ‌سابعًا: الأحزاب في رحاب القرآن الكريم

- ‌المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية

- ‌مدخل

- ‌أولا: غزوة بني قريظة

- ‌ثانيًا: قتل ابن أبي الحقيق

- ‌ثالثا: سيرة محمد بن مسلمة

- ‌رابعًا: غزوة بني لحيان

- ‌خامسًا: غزوة الغابة

- ‌سادسًا: سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر

- ‌سابعًا: السرايا إلى ذي القصة

- ‌ثامنًا: سرايا زيد بن حارثة رضي الله عنه

- ‌تاسعًا: غزوة بني المصطلق

- ‌عاشرًا: السرايا بعد غزوة بني المصطلق

- ‌حادي عشر: حركة الدعوة خلال المرحلة ما بين الأحزاب، والحديبية

- ‌المبحث العاشر: غزوة الحديبية

- ‌مدخل

- ‌أولا: سبب الغزوة

- ‌ثانيًا: التحرك للعمرة

- ‌ثالثًا: المفاوضات مع قريش

- ‌رابعًا: الصلح

- ‌خامسًا: موقف المسلمين من الصلح

- ‌سادسًا: موقف المسلمين بعد توقيع الصلح

- ‌سابعًا: عدم رد المؤمنات المهاجرات

- ‌ثامنًا: فراق الكافرات

- ‌تاسعًا: أهم ما في الحديبية من حكم

- ‌المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة

- ‌مدخل

- ‌أولا: هدوء جبهة قريش وظهور مفرزة أبي بصير رضي الله عنه

- ‌ثانيا: العمل في المحيط العام "إرسائل الرسائل

- ‌مدخل

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك مصر:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر الروم:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي وثمامة بن آثال صاحبي اليمامة:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبي شمر صاحب دمشق:

- ‌ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك عمان وأخيه:

- ‌ الدعاة حملة الرسائل:

- ‌ثالثا: القضاء على إرهاب اليهود في خيبر وما حولها

- ‌مدخل

- ‌ حصون خيبر:

- ‌ تحرك المسلمين نحو خيبر:

- ‌ اقتحام الحصون:

- ‌ نهاية غزوة خيبر:

- ‌ في أعقاب خيبر:

- ‌ تطهير الجبهة الشمالية من أتباع يهود خيبر:

- ‌رابعا: مواجهة القبائل المتمردة

- ‌مدخل

- ‌ غزوة ذات الرقاع:

- ‌ سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح في قديد

- ‌ سرية عمر بن الخطاب إلى تربة

- ‌ سرية بشير بن سعد إلى بني مرة:

- ‌ سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة:

- ‌ سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر:

- ‌ سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار:

- ‌ سرية أبي حدرد رضي الله عنه إلى الغابة:

- ‌ سرية أبي بكر رضي الله عنه إلى بني هلال:

- ‌ سرية غالب بن عبد الله إلى بني مرة:

- ‌خامسا: تطبيق بنود صلح الحديبية وأداء العمرة

- ‌عمرة القضاء

- ‌ سرية ابن أبي العوجاء:

- ‌ سرية غالب بن عبد الله:

- ‌سرية ذات الصلح

- ‌ سرية ذات عرق:

- ‌ سرية شجاع بن وهب إلى السي:

- ‌ سرية قطبة بن عامر إلى خثعم بتبالة:

- ‌سادسا: بدء مواجهة الرومان والقبائل التابعة لها

- ‌مدخل

- ‌ سرية مؤتة

- ‌ غزوة ذات السلاسل

- ‌ سرية الخبط:

- ‌ سرية أبي قتادة إلى خضرة:

- ‌سابعًا: حركة الدعوة في مرحلة ما بين الحديبية وفتح مكة

- ‌المبحث الثاني عشر: وتطهير الجزيرة العربية كلها من الشرك

- ‌مدخل

- ‌أولا: فتح مكة

- ‌سبب فتح مكة

- ‌ محاولة أبي سفيان تجديد الصلح:

- ‌ استعداد المسلمين لفتح مكة:

- ‌ الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة:

- ‌ مكة تحت القيادة الإسلامية:

- ‌ثانيًا: تطهير مكة وما حولها من الأصنام

- ‌ثالثا: غزوة حنين

- ‌مدخل

- ‌ استعداد المشركين للحرب:

- ‌ القتال:

- ‌ تعقب الفارين:

- ‌ غزوة الطائف:

- ‌ توزيع الغنائم:

- ‌ العودة إلى المدينة:

- ‌المبحث الثالث عشر: الاستقرار العام في الجزيرة ومواجهة غير العرب

- ‌مدخل

- ‌أولا: بعث عمال الصدقات إلى القبائل

- ‌ثانيًا: إرسال الدعاة إلى القبائل

- ‌ثالثًا: تسيير السرايا للخارجين على النظام

- ‌رابعا: غزوة تبوك والتصدى لعدوانية الرومان

- ‌استعداد المسلمين للغزوة

- ‌ نتائج الغزوة:

- ‌ موقف المنافقين بعد الغزوة:

- ‌ الثلاثة الذين تخلفوا:

- ‌المبحث الرابع عشر: السرايا والجهاد في الميزان

- ‌الجهاد ضرورة عامة

- ‌ الجهاد يحمي حرية الإنسان:

- ‌ الجهاد يصون كرامة الإنسان:

- ‌ الجهاد يبرز إيجابية الإنسان المسلم:

- ‌ الواقعية في تشريع الجهاد:

- ‌ ظهور فقه الإسلام في الجهاد:

- ‌المبحث الخامس عشر: وجاء نصر الله

- ‌مدخل

- ‌أولا: تتابع مجئ الوفود إلى المدينة

- ‌ثانيًا: نظام استقبال الوفود

- ‌ثالثًا: حج أبي بكر رضي الله عنه وإعلان نهاية الوثنية في الجزيرة العربية:

- ‌رابعًا: حجة الوداع وتحديد المعالم الكبرى في الإسلام

- ‌خامسًا: آخر بعوث النبي صلى الله عليه وسلم بعث أسامة

- ‌المبحث السادس عشر: انتقال الرسول إلى الله تعالى

- ‌الفصل الثالث: ركائز الدعوة المستفادة من المرحلة المدنية

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: ضرورة بناء الأمة الإسلامية [قاعدة الدعوة]

- ‌مدخل

- ‌أولا: إيجاد الأمة القوية

- ‌ثانيا: التزام الأمة بالإسلام

- ‌ثالثا: صيانة ثوابت الأمة

- ‌المبحث الثاني: الاهتمام بمعرفة الواقع العالمي

- ‌المبحث الثالث: أهمية التطابق بين المسلم والإسلام

- ‌مدخل

- ‌ نشر العدل:

- ‌ تحقيق القيم النبيلة:

- ‌ تعود الصبر والتحمل:

- ‌ تحقيق التكافل بين الناس:

- ‌المبحث الرابع: ضرورة الفصل التام بين الإسلام وغيره

- ‌الخاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌المبحث السابع: حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته رضوان الله عليهم

‌المبحث السابع: حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته رضوان الله عليهم

عامل الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه معاملة كريمة، قائمة على حسن العشرة، ومكارم الأخلاق، ورفعة السلوك، وفي هذا المبحث أورد أهم جوانب هذه المعاملة.

أولا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث عن زوجاته، ويعلي شأنهن، ويقدر لهن منزلتهن.

يقول صلى الله عليه وسلم عن خديجة بنت خويلد: "خير نسائها مريم بنت عمران، خير نسائها خديجة "1.

ويقول لعائشة رضي الله عنها: "أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه"2.

ويقول صلى الله عليه وسلم: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"3.

ويقول صلى الله عليه وسلم عن زينب: "إنها أطولكن يدًا". لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق4.

ويقول لزينب: "المزوج الله والشاهد جبريل"5.

وليس ذلك بغريب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد أعلى الله شأنهن جميعًا، وجعلهن أمهات للمؤمنين بقوله تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} 6.

1 صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل خديجة ج15 ص198.

2 صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج15 ص202.

3 صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج15 ص211.

4 الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج22 ص134.

5 بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج9 ص396.

6 سورة الأحزاب: 6.

ص: 155

فزوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين جميعًا، على طول الزمن، لهن ما للأمهات من الرعاية، والتقدير، وحسن المعاشرة، وعدم الزواج بهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وملازمة الأدب وحسن الخلق في التعامل معهن.

كما نبه المسلمين على ضرورة التمسك بآداب الدخول في البيوت حين التعامل مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} 1.

والآيات تنظم علاقة المسلمين ببيوت النبي صلى الله عليه وسلم، وبنسائه أمهات المؤمنين في حياته، وبعد وفاته كذلك، ويواجه حالة كانت واقعة وهي أن بعض المسلمين كانوا إذا دعوا إلى طعام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأنسون الحديث فيجلسون بعد الطعام، فأمر الله تعالى بالانتشار بعد الطعام منعًا لإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بين زوجاته، ويسوي بينهن كما أمر الله تعالى، وفي إطار وسعه صلى الله عليه وسلم، ولم يفرق الرسول صلى الله عليه وسلم في حسن معاملته، بين زوجاته أبدا، برغم تفاوتهن في جوانب عديدة، في الجمال، وفي السن، وما كان يبعده عن العدل شيء ما، فجعل لكل واحدة منهن ليلة، وإذا زار واحدة في غير ليلتها زارهن جميعًا، ومع مراعاته للعدل الدقيق، كان يستغفر الله في ميله القلبي لبعضهن ويقول:"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك".

وكان صلى الله عليه وسلم يقرع بينهن إذا أراد السفر، فأيتهن خرجت القرعة عليها اصطحبها.

1 سورة الأحزاب: 53.

ص: 156

تقول أم سلمة: لما تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام عندي ثلاثًا، وقال:"إنه ليس بك هوان على أهلك، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي"1.

ثالثًا: كان صلى الله عليه وسلم يقدر لزوجاته حقوقهن الأساسية، ويصونها لهن، لم يتزوج واحدة إلا برضاها، وكان يشاورهن، ويناقشهن ويصبر عليهن.

وقد رأينا موقفه صلى الله عليه وسلم من النسوة اللاتي رفضن الزواج منه.

وكان صلى الله عليه وسلم يستشير زوجاته في المواقف الصعبة وينزل على رأيهن.

في يوم الحديبية أمر المسلمين بأن يحلقوا، وينحروا، بعد الصلح ليتحللوا فبقوا واجمين، فدخل على زوجه أم سلمة، وهو متأثر يقول:"هلك المسلمون أمرتهم بالحلق فلم يحلقوا، وأمرتهم بالذبح فلم يذبحوا! ".

فقالت: يا رسول الله اخرج ولا تكلم أحدًا منهم، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك.

فخرج صلى الله عليه وسلم فلم يكلم أحدًا منهم، حتى فعل ذلك.

فلما رأى المسلمون ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم انزاح عنهم الذهول، فقاموا عجلين، ينحرون هديهم، ويحلق بعضهم بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر2.

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور زوجاته، ويأخذ برأيهن في الأمور العامة والخاصة، وكن رضي الله عنهن نعم الشريكات لزوجهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك نعمن بالحياة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم ما كان في حياتهن من تقشف.

رابعًا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص أن يكون جميلا، أنيقًا، نظيفًا، في صورته الجسدية، وفي سلوكه العملي، وفي سائر معاملاته معهن.

كان صلى الله عليه وسلم ضاحكًا بسامًا3.

1 من السنة أن من تزوج البكر يبقى عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب يبقى عندها ثلاثًا.

2 إمتاع الأسماع ج1 ص294.

3 رواه ابن عساكر. انظر منتقى النقول ص298.

ص: 157

وكان أفكه الناس مع نسائه1.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "اغسلوا ثيابكم، وخذوا من شعوركم، وتنظفوا"2.

ويقول صلى الله عليه وسلم: "إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، ثم إذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها، حتى تقضي حاجتها"3.

ويقول صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"4.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستنكف داخل بيته أن يقوم بحاجته، وأن يخدم نفسه، بل كان يقوم أحيانًا بحاجة أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويقول صلى الله عليه وسلم:"خدمتك زوجتك صدقة".

خامسًا: كان صلى الله عليه وسلم يترفق معهن في الحديث، ويداعبهن، ويلاعبهن، فقد لاعب عائشة رضي الله عنها فسبقها فلما غضبت لاعبها وتراخى لها فسبقته، وقالت: هذه بتلك5، وهو صلى الله عليه وسلم القائل لعائشة:"إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت عليّ غضبى". فقالت له: ومن أين تعرف ذلك؟

قال صلى الله عليه وسلم: "أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت عليّ عضبى قلت: لا ورب إبراهيم".

قالت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك6.

سادسًا: وكان صلى الله عليه وسلم يعرف ما جبلوا عليه كسائر النسوة، من غيره وتنافس وحب الاستئثار بالرجل، ولذلك لم يندهش لبعض تصرفاتهن، فيرفق بهن، ويصبر عليهن.

حدث مرة أن ذبح صلى الله عليه وسلم شاة وقال: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة".

1 المرجع السابق ص19.

2 فيض القدير ج2 ص19.

3 فيض القدير ج1 ص325.

4 المرجع السابق ج3 ص466.

5 صحيح مسلم بشرح النووي كتاب فضل عائشة ج15 ص203.

6 صحيح مسلم كتاب الفضائل: باب فضل عائشة ج15 ص203.

ص: 158

فغارت عائشة وقالت: خديجة خديجة.

فما زاد صلى الله عليه وسلم إلا أن قال لها: "إني رزقت حبها"1.

وقالت عائشة رضي الله عنها لفاطمة بنت رسول الله: إن رسول الله لم يرزق بكرًا غيري: فبكت فاطمة، وذهبت تشكو لأبيها صلى الله عليه وسلم.

فقال لها: "قولي لها إن أمي تزوجت أبي وكان بكرًا، ولم يتزوج عليها"2.

وكان صلى الله عليه وسلم يعمل على إرضاء زوجاته، وتهدئة خواطرهن بالمعروف يقول أنس بن مالك: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال:"ما يبكيك"؟.

قالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي.

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك لابنة نبي، وإن عمك نبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك". ثم قال لحفصة: "اتقي الله يا حفصة"3.

وكان يقابل بعض تصرفاتهن بالصمت لينتهوا منه، ويعلموا ما في تصرفهن من حق أو خطأ في رفق وهدوء، بعيدًا عن الانفعال والغضب.

يروي الإمام مسلم بسنده عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أرسل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها صلى الله عليه وسلم فاستأذنت عليه، وهو مضجع معي في مرطي، فأذن لها.

فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة.

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي بنية ألستِ تحبين ما أحب"؟.

فقالت: بلى.

قال: "فأحبي هذه".

1 صحيح البخاري. ك المناقب. باب فضل خديجة ج15 ص199.

2 الإسلام ص175.

3 سنن الترمذي بشرح تحفة الأحوذي أبواب المناقب ج10 ص268.

ص: 159

فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى أبيك صلى الله عليه وسلم فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة.

فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا.

فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تقول عائشة: لم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تتصدق به، وتتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفينة.

فاستأذنت زينب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع عائشة في مرطها، على الحالة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقالت يا رسول الله: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فلم يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تقول عائشة: ثم إن زينب وقعت بي، فاستطالت عليّ، وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها، فلن تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر، فلما وقعت بها لم أنشبها، حتى أنحيت عليها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر"1.

وهو يدل على رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم بزوجاته، وصبره عليهن، فبرغم أنهم تجمعن، وأرسلن إليه يطلبن العدل، وفي هذا تحامل منهن على رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم ذلك كان صلى الله عليه وسلم يبتسم، ويصمت، ويترك لهن تقدير الموقف، ولم يأخذ واحدة منهن بالظنة أو يصدق ما يشاع عن إحداهن من سوء، فلقد أشاع المنافقون الإفك حول عائشة رضي الله عنها، واتهموها زورًا بما ليس فيها ومع ذلك لم يتغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغاضب عائشة، وإنما بقي

1 صحيح مسلم باب فضائل عائشة ج15 ص205.

ص: 160

صامتًا صابرًا، مع شدة ألم الإفك في نفسه، وذلك أكبر برهان على حسن معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته، وأخذه لهن بالرفق والأناة.

إن سلامة العرض، والمحافظة على الشرف والفضيلة من السمات التي يحافظ عليها العرب، ويدافعون عنها بكل غال لديهم، ومع ذلك الوضع الخطير يحافظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على هدوئه، ويترفق بعائشة رضي الله عنها، ويستمر ذلك الحال شهرًا كاملا، ولا يتعرض لها بنقد أو تأنيب أو مقاطعة أو بنظرة عاتبة.

تروي السيدة عائشة رضي الله عنها حادثة الإفك كما عايشتها فتقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل، فلما دنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حتى آذنوا بالرحيل فمشيت، حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه.

وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا، لم يهبلن الطعام ولم يغشهن اللحم، إنما كن يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي، بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داع، ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفتقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت.

وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمنا بكلمة،

ص: 161

ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، موغرين في نحر الظهيرة، وهم نزول، فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول.

فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك.

وكان يريبني في وجعي، أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله فيسلم، ثم يقول:"كيف تيكم"، ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بشيء.

ثم خرجت، حين نقهت، فخرجت مع أم مِسطح فلما فرغنا من شأننا عدنا إلى بيتي، وعنده عثرت أم مِسطح في مرطها فقالت: تعس مِسطح.

فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرًا؟

فقالت: أي هنتاه، أولم تسمعي ما قال؟

قلت: وما قال؟

فأخبرتني، بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال:"كيف تيكم".

فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ وأريد أن أستيقن الخبر من قِبَلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس؟

قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن عليها.

فقلت: سبحان الله! أوقد تحدث الناس بهذا؟

فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرفأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي.

ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله.

ص: 162

فأما أسامة، فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، وقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا.

وأما عليّ فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة وقال لها: "أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك"؟.

قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرًا قط، أغمصه غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي، وهو على المنبر، فقال:"يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل، قد بلغني عنه، أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلا، ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي".

فبكيت يومي ذلك كله، لا يرفأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا، لا يرفأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي.

فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا، لا يوحى إليه في شأني بشيء.

فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: "أما بعد يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف، ثم تاب تاب الله عليه".

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال.

فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما قال.

ص: 163

قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقلت وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ من القرآن كثيرًا: إني والله، لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني برئية لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا، إلا أبا يوسف حين قال:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ثم تحولت، واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأعلم أن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه.

فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يضحك، فكانت أول كلمه تكلم بها أن قال:"يا عائشة أما الله فقد برأك".

فقالت لي أمي: قومي إليه.

فقلت: والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله عز وجل1.

وفي قصة الإفك نزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ

1 صحيح البخاري كتاب المغازي باب حديث الإفك ج6 ص340-348 ط الأوقاف.

ص: 164

وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 1.

والآيات واضحة الدلالة على براءة السيدة عائشة رضي الله عنها، وتعيين الأفاكين في عدد قليل، هم العصبة، وتوجيه المسلمين إلى المنهج القويم، الذي يجب اتباعه في مثل هذه الحالات، مع ملاحظة أن إبطال الإفك كان في كلمة واحدة أطلقت على كل ما جرى مسمى "الإفك"، وبقية الآيات دروس تربوية وإيمانية لمجتمع يجب أن يدوم على خيريته وعظمته التي صنعها الإسلام، ويجب أن تستمر به.

وأهم هذه الدروس ما يلي الدرس الأول:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش شهرًا قبل نزول الآيات بالبراءة، والإشاعة الكاذبة تملأ الدنيا، والهمس يدور بين أهل المدينة جميعًا، وأخذ صلى الله عليه وسلم يبحث عن الحقيقة التي ترد هذا الزيف المتكاثر فاستبين آراء أصحابه، وسأل أسامة بن زيد، وعلي بن أبي طالب، كما سأل بريرة مولاته.

وقد أجابه كل من سأله إجابة تؤكد علو مقام السيدة عائشة وطهارتها، ولم يزد أحد عن ذلك إلا عليًا رضي الله عنه فإنه حاول أن يسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبعده عن الحزن، فنصحه بالزواج، فالنساء كثير، حتى لا يتأثر بما يشاع مع تقديره لمقام عائشة رضي الله عنها.

1 سورة النور: الآيات من 11 إلى 21.

ص: 165

الدرس الثاني:

إن حادثة الإفك قدر إلهي أراده الله تعالى لتحقيق الخير للمسلمين، به يعرفون عدوهم، ويعلمون المنافقين من بينهم، ولتبقى البراءة آيات قرآنية تعلي مكانة أم المؤمنين عائشة على الزمن كله.

فإذا علم أن هذا الإفك أشيع بين الناس بعد غزوة الأحزاب، لظهر أنه كان جزءًا من مؤامرة شاملة خطط لها أعداء الإسلام وروجها المنافقون من أجل تقويض المجتمع الإسلامي، وتشويه صورة القيادة المحمدية.

ومن هنا كان إثبات براءة السيدة عائشة رضي الله عنها، وظهور طهارة بيت النبوة في قرآن يتلى، ويبقى ثابتًا على طول الزمن من المبادئ الهامة التي لا بد منها لصيانة المجتمع من الشائعات، وبخاصة تلك التي تتصل بالريادة المؤمنة التي يتأسى بها سائر الناس ولتبق القيادة المسلمة في كل آن مثالا عاليًا للطهارة، والخلق الكريم.

الدرس الثالث:

في إطار الآيات التي تتحدث عن الإفك جاءت توجيهات تحدد أهمية تعاون المجتمع في رد البهتان والزيف، حتى لا يروجه البعض وهو لا يدري.

فلا يصح في المجتمع المسلم أن ينتشر الإفك فيه وبخاصة ما يتعلق بالعرض والشرف، والواجب على كل من يسمع إفكًا أن لا يكرره، وعليه أن يستعيذ بالله منه، ولا يشيعه، تطبيقًا لقول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} 1.

ولا يجوز في المجتمع المسلم أن يسمع أحد أفراده عن إخوانه أمرًا، ويصدقه بلا برهان يثبته، أو دليل يؤكده.

ولا يصح لمسلم أن يضع نفسه فوق إخوانه، أو يتميز عنهم، وواجب على المسلم أن يقيس الأمر على نفسه وعلى أهله، وأن يضع نفسه مكان من دار الإفك

1 سورة الحجرات: 6.

ص: 166

حولهم، فإن استبعد على نفسه ما يسمعه فمن الأولى أن يستبعده على غيره، وبخاصة من هم أفضل منه في الكرم، والخلق.

يروي المؤرخون أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقوله الناس في عائشة؟

قال: بلى وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟

قالت: لا والله ما كنت لأفعله.

قال: فعائشة والله خير منك1.

الدرس الرابع:

إن كرامة المجتمع المسلم يجب أن تصان من دعايات السور ولذلك نزلت الآيات لعظة المسلمين حتى لا يقعوا في مثل هذا الأمر مرة أخرى، ولا يكونوا فريسة تويجهات الشيطان من الإنس أو الجن التي تحاول جر المجتمع الإسلامي إلى الهاوية، وعلى المسلمين في مثل هذه المواقف أن لا يتعجلوا في الحكم، وأن لا يتحدثوا إلا بعد معرفة الحقيقة الصادقة، حتى لا يؤذوا أنفسهم، وغيرهم بجهالة ويصبحوا نادمين.

إن من تسرع في الإفك، وخاض فيه بلا بينة أخطأ كثيرًا ويكفي لظهور خطأ هؤلاء أن نعلم أن صفوان بن المعطل كان حصورًا لا يأتي النساء2 ومع ذلك قيل ما قيل فيه!!

الدرس الخامس:

الله عليم بعباده محيط بأخبارهم وأحوالهم، ولذلك أنزل عقوبته على هؤلاء الأفاكين على قدر مساهمتهم في الإفك، وعذاب الله الأليم نازل بهم في الدنيا والآخرة.

وأيضًا: فإن رحمة الله تلحق بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة فيقبل توبة المسيء، ويغفر لمن استغفر، ويزكي عباده الصالحين.

والدرس الهام والأخير:

هو بروز خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم الحليم، الرءوف، الرحيم، بالمؤمنين جميعًا،

1 سيرة النبي لابن هشام ج2 ص302.

2 سيرة ابن هشام ج2 ص224.

ص: 167

وبخاصة بأمهات المؤمنين.

فبرغم ما كان فيه من عناء يزلزل الجبال في أيام حادثة الإفك كان يسأل عن عائشة رضي الله عنها، ويطمئن عليها، ويقول لها:"كيف تيكم"؟.

وستر عنها حديث الناس حتى لا تؤذى، ولم يرض بإثارتها، ومناقشتها، وكان يذكرها بالتوبة، والاستغفار إن كان وقع منها شيء ويستمر الرسول صلى الله عليه وسلم هكذا شهرًا كاملا حتى تنزل عليه آيات البراءة، فيخبر عائشة رضي الله عنها، وهو صلى الله عليه وسلم أسعد منها بها.

ويتحول جو الصمت، والحزن، في بيت النبوة إلى سرور، وفرح، وتنقلب المدينة كلها حديثًا عن طهارة أم المؤمنين عائشة وبراءتها مما أثير حولها.

تقول أم رومان لعائشة: قومي اشكري رسول الله.

فترد عائشة رضي الله عنها: إنما أشكر الله الذي برأني من فوق سبع سماوات1 وتستمر البراءة قرآنًا يحفظ في الصدور، ويتلى على الألسنة، شاهدًا على طهارة هذا البيت العظيم.

هذا..

وقد وقعت حادثة الإفك أثناء الرجوع من غزوة بني المصطلق سنة ست من الهجرة.

1 صحيح البخاري، كتاب المغازي باب حديث الإفك ج6 ص348.

ص: 168