الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولا: الترحيب بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم
لما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني عمرو بن عوف أرسل إلى أخواله بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف، وتقاطر الأنصار جميعًا خلفهم، حتى اجتمعوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحبين به، فركب الرسول صلى الله عليه وسلم ناقته، والناس عن يمينه وشماله وخلفه، منهم الراكب ومنهم الماشي يهللون ويكبرون.
اجتمع بنو عمرو بن عوف وقالوا: يا رسول الله أخرجت ملالا لنا، أم تريد دارًا خيرًا من دارنا؟
فقال صلى الله عليه وسلم: "أمرت بقرية تأكل القرى، فخلوها، فإنها مأمورة".
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قباء يريد المدينة فوجد الناس قد ملئوا الطرق ومعهم الخدم والصبيان وهم يقولون: الله أكبر، جاءنا محمد، جاءنا رسول الله.
يقول أنس بن مالك: إني لأسعى مع الغلمان يقولون: محمد جاء فننطلق فلا نرى شيئًا حتى أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر فكنا في بعض جرار المدينة، فبعث لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار، فخرج الأنصار واستقبلهما زهاء خمسمائة منهم، حتى انتهوا إليها فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، وخرج أهل المدينة حتى إن العوائق فوق البيوت يتراءينه ويقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرًا شبيهًا به يومئذ1.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا
…
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
…
ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا
…
جئت بالأمر المطاع2
1 الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج20 ص291.
2 رحمة الله للعالمين ج1 ص106، والحرار بكسر الحاء وفتح الراء جمع حرة وهي الأرض الصلبة السوداء، والعوائق جمع عائق وهي الفتاة التي بلغت ولم تتزوج.
وعن البراء رضي الله عنه قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم1.
ويقول أنس: ما رأيت يومًا قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر المدينة2.
وقد تجلى الترحيب العام برسول الله صلى الله عليه وسلم من كافة قبائل المدينة، وكان كل منهم يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عنده، ويعده بالعدة، والعدد، والثروة، والطاعة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفهم بأنه سيترك الناقة تبرك حيث يريد الله لها.
ويقول لهم: "دعوها فإنها مأمورة"3.
ولما علم الأنصار بذلك لم يتعرضوا للناقة، وكل منهم يدعو الله أن يكون بيته هو المكان المختار لنزول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبًا ناقته، حتى إذا أتت دار بني عدي بن النجار قامت إليه وجوههم تأمل في نزوله عندها، ثم إن ناقته صلى الله عليه وسلم لما أتت موضع مسجده بركت وهو عليها وأخذه الذي كان يأخذه عند الوحي ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه ثم تحلحلت، وأرزمت ووضعت جرانها، وجعل جبار بن صخر ينخسها رجاء أن تقوم فتنزل في دار بني سلمة فلم تفعل، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وقال: هنا المنزل إن شاء الله وقرأ قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} 4.
وجاء أبو أيوب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي بيوت أهلنا أقرب"؟.
فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي، وقد حططنا رحلك فيها
1 صحيح البخاري كتاب المناقب باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ج6 ص222.
2 الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج20 ص290.
3 بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج6 ص79.
4 سورة "المؤمنون": 29.
قال صلى الله عليه وسلم: "فانطلق فهيئ لنا مقيلا". فذهب فهيأ لهما مقيلا1.
يروي الطبراني عن عبد الله بن الزبير أنه كان هناك عريش يرشونه، ويعمرونه ويتبردون فيه، حتى نزل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فأوى على الظل فنزل فيه فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله منزلي أقرب المنازل إليه أأنقل رحلك إليه.
قال صلى الله عليه وسلم: "نعم". فذهب برحله إلى المنزل.
فأتاه آخر فقال: يا رسول الله انزل عليّ.
فقال صلى الله عليه وسلم: "المرء مع رحله حيث كان".
فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزل أبي أيوب وقر قراره، واطمأنت داره، ونزل معه زيد بن حارثة2.
يقول عبد الله بن سلام رضي الله عنه: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه فجئت لأنظر إليه، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يتكلم به أن قال:"يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام"3.
ويقول أبو أيوب رضي الله عنه: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، كان في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو.
فقلت له: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل.
فقال صلى الله عليه وسلم: "إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت".
يقول أبو أيوب فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله، وكنا فوقه في المسكن، وكنا نحرص على تحقيق ما يرضيه ويريحه.
حدث مرة أن انكسرت جرة لنا فيها ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء، تخوفًا أن تقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه،
1 صحيح البخاري كتاب المناقب، باب الهجرة ج6 ص216.
2 بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج6 ص79.
3 سبل الهدى والرشاد ج3 ص391، سنن الترمذي.
ويقال إن أبا أيوب بعد هذه الحادثة ألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسكنه العلو1.
وقد تكفل أهل المدينة بخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجهيز طعامه وشرابه، وتحقيق كل ما يحتاج إليه، يهدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حبًا، وتقديرًا.
ولقد كان أبو أيوب يصنع له الطعام، ويقدمه، وينتظر فضله ليأكله.
يقول زيد بن ثابت: لقد كنا في بني مالك بن النجار، ما من ليلة إلا على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت أبي أيوب ثلاث، أو أربع جفان، وما كانت تخطئه.
جفنة سعد بن عبادة، وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة2.
وكان الأنصار يتحرون الطعام الذي يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لإعداده له فبرغم أنه صلى الله عليه وسلم لم يعب طعامًا، ولم يأمر بطعام، فإنهم لاحظوا إقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم على نوع من المرق يسمى "الطفيشل" وعلى الهريس ولذلك كانوا يكثرون له صلى الله عليه وسلم منهما.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده، وإنما كان يطعم معه من أصحابه عددًا يتراوح بين خمسة إلى ستة عشر رجلا، حسب كمية الطعام المهدى إليه.
وهكذا عاشت المدينة حياة البهجة، والسرور، وقدرت الخير الذي وفد عليها وأقبلوا على الإسلام فهمًا وعلمًا، وتطبيقًا، وشعروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم بخيري الدنيا والآخرة، فسعدوا بهجرته، وأنزلوه فيهم منزلة الروح والعقل، وجعلوا حبه فوق حبهم لأنفسهم، فهو وهم معه برسالته يعيشون الإسلام نقيًا واضحًا.
وفي نفس الوقت تقوقع الكفار والمنافقون واليهود في المدينة، وأدركوا أن دولتهم قد انهارت، ولا سلطان لهم في المدينة بعد اليوم، وعبر بعضهم عما في قلبه من حقد وغضب، ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في أن ينزل على سيد الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول فقال له عبد الله: اذهب إلى الذين دعوك فانزل إليهم ورفض أن ينزله عنده كراهية له.
ولم يأبه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المعارضة من أهل الشرك والنفاق فهي معارضة ضعيفة خائفة
…
وأنى تلك المعارضة مما كان يراه في مكة!!
ولقد اعتذر الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن موقف أبي، وبينوا له أن سببه ضياع المجد الذي كان يأمل فيه3.
ومن الملاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلب من أحد أن ينزل عليه إلا ابن أبي، ولعلها حكمة قدرها الله تعالى لرسوله ليعلم طبائع الناس، وبخاصة هؤلاء الذين أضيروا بظهور الإسلام.
1 الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج20 ص293.
2 إمتاع الأسماع ج1 ص47.
3 كان الأوس والخزرج يتفاوضون في جعل عبد الله بن أبي ملكًا عليهم، وكادوا أن يملكوه، فلما أسلموا وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ضاعت المملكة على ابن أبي فعاش بحقده منافقًا.