الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2-
نتائج الغزوة:
عسكر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في تبوك، وعسكر قبالتهم جيش الروم، فشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في التقدم بعد أن بين لهم أن الأمر بيدهم وعليهم أن يختاروا لأنفسهم، وبخاصة أن الله لم يأمر بشيء، فرأوا الرجوع إلى المدينة، والاكتفاء بما حقق الله لهم في هذه الغزوة، إن غزوة "تبوك" خلت من القتال ولكنها تركت آثارًا عديدة على المسلمين وعلى غيرهم أما أثرها مع المسلمين فقد محص الله صفهم، وأحاطهم بآيات من عنده كإكثار الطعام وهم في أمس الحاجة إليه، ونزول المطر بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد وجه النبي من عسكره في تبوك سرايا إلى القبائل العربية الموجودة في المنطقة وكانت تابعة للرومان، فلما رأى العرب قوة المسلمين قبلت العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاروا من أهل الذمة، وعلى رأس هذه القبائل أهل أيلة، وأهل جرباء، وأهل أذرح، وأهل مقتا، حيث أتى يحنة بن رؤبة صاحب أيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحه على إعطاء الجزية وتبعه أهل جرباء وأذرح، فكتب لهم النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا وأعطاه لهم وجاء فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله ومحمد النبي صلى الله عليه وسلم ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة1: سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقًا يريدونه، من بر أو بحر".
وقد كتب الكتاب جهيم بن الصلت، وشرحبيل بن حسنة، بإذن رسول الله2.
وكتب صلى الله عليه وسلم لأهل "جرباء" كتابًا جاء فيه: "هذا كتاب من محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم"3.
1 وأيلة بفتح الهمزة وسكون الياء مدينة على البحر الأحمر مما يلي الشام وهي من بلاد الشام.
2 سيرة النبي ج2 ص525، 526.
3 إمتاع الأسماع ج ص، جرباء بفتح فسكون موضع جنوب الشام يقع في شمال جبل السراة.
وكتب لأهل أذرح ما يلي: "من محمد النبي رسول الله لأهل أذرح إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة، وهم آمنون حتى يحدث إليهم محمد قبل خروجه"1.
وكتب لأهل "مقتا" كتابًا جاء فيه: "أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم ربع غزولهم وربع ثمارهم"2.
وأرسل خالد بن الوليد في بعث إلى أكيدر دومة، رجل من كندة وكان ملكًا عليها، وكان نصرانيًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟
قال: لا والله.
قالت: فمن يترك هذه.
قال: لا أحد.
فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسان فركب، وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا لقيهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذته وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستلمه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه به عليه فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتعجبون من لين هذه؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها"3.
ثم إن رسول الله حقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته4 وبذلك تحقق للمسلمين العزة والقوة في هذه المناطق البعيدة.
أما آثار تبوك على غير المسلمين فلقد أيقنوا أن قوة الإسلام غالبة، وأنه لا قبل لأي فريق في مواجهة المسلمين وبدءوا يدركون صدق الإسلام وخطأهم فيه.
1 أذرح بفتح الهمزة وسكون الذال وضم الراء بلد صغير يقع في أطراف الشام من ناحية الجنوب.
2 سيرة ابن هشام ج2 ص527.
3 صحيح البخاري كتاب المناقب باب مناقب سعد بن معاذ ج6 ص155.
4 سيرة النبي ج2 ص526.