الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} 1.
يقول الرازي: إن الانتصار يجب أن يكون بالمثل، فإن النقصان حيف، والزيادة ظلم، والتساوي هو العدل، وبه قامت السماوات والأرض، ويقول: إنه لا يصح العفو إلا إذا كان سببًا لتسكين الفتنة ورجوع الجاني عن جنايته2.
والجهاد الإسلامي حق وعدل كله وذلك يتضح من المراحل التي مر بها تشريعه وهي:
1 سورة الشورى الآيات من 39 حتى 41 وهذه الآيات مكية.
2 تفسير الرازي ج27 ص179 ط دار الفكر.
المرحلة الأولى: مرحلة التحمل والصبر
أمر الله تعالى المسلمين بالصبر والتحمل وكف الأيدي وهم في مكة قبل الهجرة لأنهم كانوا ضعفاء لا يمكنهم رد الإيذاء، ومواجهة العدوان.
في هذه المرحلة كان الأمر بالصبر والتحمل، مع المحافظة على الدين، وعدم التسليم للطغاة، وإباحة الانتصار للنفس بصورة فردية، آمنة.
والسلبية في هذه المرحلة ضرورة اقتضتها ظروف المسلمين، فهم في مكة قليلو العدد مستضعفون، يخافون أن يتخطفهم الناس، يقول ابن كثير:"إن المسلمين لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا منهم، فلو أمر المسلمون بقتالهم وهم أقل من العشر لشق عليهم"1.
وتطبيقًا لتنفيذ فكرة المقاومة السلبية كانت الآيات تأمر في هذه المرحلة بالمصابرة والتحمل وعدم إطاعة الحاقدين.
يقول الله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} 2.
ويقول تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} 3.
1 تفسير ابن كثير ج2 ص300.
2 سورة المزمل: 10.
3 سورة الأعراف: 199.
ومن المعلوم أن الأمر الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم هو أمر لأمته.
وحتى يكون التحمل أمرًا مسلمًا به وسهلا عرف الله المؤمنين بأنه يدافع عنهم فقال: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} 1.
ويجب أن يكون واضحًا أن سلبية هذه المرحلة كانت في ترك المقاتلة، وتحمل الأذى منعًا لضرر أعلى، وما عدا ذلك فالإيجابية ثابتة موجودة، والجهاد بالكلمة تشريع مقرر، يقول الله تعالى في سورة الفرقان:{فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} 2 وسورة الفرقان سورة مكية، وفي هذه الآية أمر بعدم طاعة الكفار وهم يعارضون القرآن الكريم، وفيها كذلك الجهاد بآيات القرآن لأن الضمير في "به" يعود عليه.
فهذه آية مكية أمر الله فيها بالجهاد، ولذلك استمرت الدعوة في كافة صورها، ففي مجال إبلاغ الدعوة وتبيينها وشرح أهدافها لم يحدث أبدًا توقف، وفي مقابلة شبه القوم كانت الحجج المقنعة والمواجهة الفكرية، وأمام اتهامات المعاندين للرسول صلى الله عليه وسلم وتشككهم في الوحي كان التصدي بالرد والحوار وإثبات ضلال المعاندين، وخطأهم، وكان الوحي خير نصير في المواجهة.
ويجب أن يتضح كذلك أن هذه السلبية في المقاتلة لم تكن مبدأ، وإنما كانت ضرورة عاشها المسلمون، وعليهم أن يتذكروا حقوقهم خلالها، ويترقبوا لأنفسهم وينتظروا الوقت الذي يتمكنون فيه من استرجاعها، عساهم يأخذون حقهم الذي سوف ينتصر حتمًا.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في خلال هذه المرحلة يشير لأصحابه إلى الفرح، والمخرج حيث قال للمسلمين قبل الهجرة إلى الحبشة:"لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه"3.
1 سورة الحج: 38.
2 سورة الفرقان: 52.
3 سيرة النبي ج1 ص323.