الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا: نظام استقبال الوفود
وضع النبي صلى الله عليه وسلم نظامًا حسنًا في معاملة الوفود يعتمد على النقاط التالية:
1-
استقبال الوفود:
عين رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه لاستقبال الوفود حين وصولهم إلى المدينة، وتيسير معاشهم مدة إقامتهم في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2-
تهيئة مكان نزول الوفود:
أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عددًا من دور المدينة لإنزال الوفود بها، ومنها دار رملة بنت الحارث النجارية، وهي دار واسعة، وفيها نخيل وزروع، وقد نزل بها وفد سلامان، ووفد تميم بن عيينة بن حصن، ووفد بني كلاب، ومنها دار المغيرة بن شعبة، ونزل بها الأخلاف من ثقيف، ومنها دار أبي أيوب الأنصاري ونزل بها وفد نجران، ومنها دار يزيد بن أبي سفيان، ونزل بها وفد همدان، ومنها دار بلال، وقد نزل بها ملك أيلة حين قدم مع أهل الشام واليمن.
3-
إكرام الوفد:
أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن يحسنوا استقبال الوفود، ويكرموا وفادتهم فقاموا بذلك خير قيام، ففي طبقات ابن سعد أن وفد بني حنيفة نزلوا دار رملة فأكلوا مرة خبزًا ولحمًا، ومرة خبزًا ولبنًا، ومرة خبزًا وسمنًا.
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رحب بوفد تجيب، وأكرمهم، وحباهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم، ووفادتهم.
4-
الاستعداد للقاء الوفد:
اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم قبة في المسجد النبوي يستقبل فيها الوفود، وجعل خالد بن سعيد بن العاص لاستقابلهم، وتهيئة لقائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذن لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم حين يلتقي بالوفد يلبس أحسن ثيابه، ويأمر أصحابه بذلك، فقد لبس صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يوم استقبال وفد كندة حللا يمانية وقد بنى الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دكة من طين يجلس عليها حين يستقبل الوفود.
5-
الاستماع للوفد أولا:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستقبل الوفد، ويستمع منه أولا، ليعرف موضوعه، ومذهبه وبعد ذلك يرد عليه، أو يكلف أحدًا من أصحابه بالرد.
وكان يجيب على أسئلة الوفد ويعرض عليهم الإسلام، ويقبل منهم الجزية، وكان يسمع للوفد أولا، ثم يرد عليهم.
وأكتفي هنا بإيراد نموذجين:
النموذج الأول:
قدم وفد تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم خطيبهم فقال "الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنُّ، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالا وعظامًا، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا، وأيسره عدة.
فمن مثلنا في الناس؟
ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟
فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن الشماس، أخي بني الحارث بن الخزرج: $"قم فأجب الرجل في خطبته".
فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله.
ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبًا وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابًا وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين.
ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوو رحمه أكرم الناس حسبًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالا.
ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا وكان قتله علينا يسيرًا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ ثابت بن الشماس من قوله، قال الأقرع بن حابس وأبي: إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا.
فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم.
النموذج الثاني:
قدم ضمام بن ثعلبة وافدًا عن بني سعد بن بكر، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا ابن عبد المطلب".
قال: أمحمد؟
قال: "نعم".
قال: يابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن بها عليّ في نفسك.
قال: "لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك".
قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك لنا رسولا؟
قال: "اللهم نعم".
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟
قال: "اللهم نعم".
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟
قال: "اللهم نعم".
قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة، الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منهما كما ينشده في التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره، راجعًا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة".
إن المواجهة الصادقة بين الوفود ورسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما كانت تحقق الثمار المطلوبة، وبها انتشر الإسلام في كل الجزيرة العربية.
6-
الإهداء للوفد:
يروي البخاري بسنده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث منها إجازة الوفد بمثل ما كان يجيزهم.
وقد أعطي النبي صلى الله عليه وسلم قروة بن عمرو الجذامي اثني عشر أوقية من الفضة، وأعطى كل واحد من وفد تميم ذلك، وفعل ذلك مع كل من وفد عليه.
وسر هذا الإهداء أنه يولد الحب، ويعظم الإخلاص ويبرز حسن المعاملة.
7-
توديع الوفود:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن توديع الوفود كما يحسن استقبالهم، وكان يوصيهم بالدعوة، ويبعث معهم من يعلمهم القرآن إن احتاجوا إليه.
وهكذا وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم سياسة حسنة في التعامل مع رجال الوفود التي قدمت إليه في المدينة المنورة لأن كل وفد يمثل قبيلته وجماعته، فتقدير الوفد وتكريمه يعد تكريمًا للقبيلة كلها.
وأيضا فإن تأليف القلوب، والتعامل الكريم، وإبراز حسن الخلق من أساسيات التحرك بالدعوة بل هو الدعوة بعينها.
ويجب على المسلمين أن يهتموا بهذا الجانب الحيوي، وبخاصة أن العالم المعاصر تشابكت مصالحه، وكثرت اللقاءات فيه، وساعدت المخترعات الحديثة في تواصل الناس، وترابط المصالح، وبذلك تلتقي الدعوة مع الفطرة، ومع التقدم الحضاري الإنساني.