الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولو ذهبت توازن بين المسلمين يومئذ وبين سائر أمم العالم لرأيت عناصر الغلب والامتياز تتجمع لديهم صاعدة، على حين تفور في كيان الأمم الأخرى زلازل عنيفة، فلا غرو إذا صاروا بعد سنوات معدودات دولة فتية تقضي لربها ولنفسها ما تشاء.
وقد وضع صلى الله عليه وسلم من سلوكه مبادئ للعلاقات بين الناس لتحقيق المصلحة للجميع، وتأكيد الأمن لكل فرد.
إن التزام الأمة بتطبيق الإسلام تطبيقًا كاملا واعيًا أبرز كافة عناصر الخير في الإسلام، وحول المسلمين من جماعة همجية إلى أمة متماسكة تسير بالعدل، وتصون الحقوق، وتحفظ الكرامة الإنسانية، وتوجد الأمن والسلام والسعادة، بصورة أصلية ثابتة، وهذا الحال للأمة المسلمة جعل غير المسلمين ينظرون بحب وإعجاب إليهم، ويتمنى أن يكون مثلهم، ولذلك سارع الناس إلى اعتناق الإسلام رغبة، واقتناعًا بعدما شاهدوا تطبيقًا عمليًا بآثاره ونتائجه.
إن الجماعة المؤمنة التي صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشت حياتها مجاهدة في سبيل الله فتحركه إلى سائر الآفاق ومعها المصحف والسيف، واستمرت على ذلك حتى تمكنت من صناعة أمة عظيمة تنشر العدل، وتحمي السلام، وتصون الحقوق، وتضمن الكرامة لكل الناس، وقد اعترف الجميع بما نشرته من خير وإصلاح للعاملين.
رابعًا: التفاعل التام بين المسلمين والإسلام
لما تمت الهجرة إلى المدينة المنورة، صار للإسلام دولة تؤمن به، وتؤازره، وتدعو إليه وصدق المسلمون فيما عاهدوا الله عليه، فتحولت مظاهر الحياة، وكل الأنشطة وسائر المؤسسات إلى شريعة إسلامية تتحرك مع الناس وبهم في صورة عملية تعبر عن دين الله تعالى، وتؤكد التفاعل العظيم بين تعاليم الله وبين المؤمنين الصادقين.
وكان المسجد هو أول المؤسسات الدينية التي أقامها المسلمون في المدينة، فلقد أسس الرسول صلى الله عليه وسلم مسجد قباء وهو في الطريق إلى المدينة، ولما وصل إليها ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري أسس المسجد الحرام بالمدينة، واتخذه المسلمون دار عبادتهم،
وسياستهم، ففيه كان ينزل الوحي، وفيه يجتمع الأصحاب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده التقى الوفود برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه تتحرك الوسائل، وينطلق الدعاة، وتجهز الجيوش.
لقد أصبح المسجد هو بيت الإسلام في المدينة، وبخاصة بعد أن شرع الله الأذان يدوي في الآفاق خمس مرات في اليوم والليلة، ويتردد صداه في الأفق البعيد.
ويعلم القاصي والداني أن أمة الإسلام عزيزة كريمة تعلن حقيقتها بصوت جهوري مكرر واضح المعالم بين معروف، فالله ربهم وهو الكبير المتعال، ومحمد هو رسولهم، والمبعوث بدين الله فيهم، وهو رائدهم إلى الفوز والفلاح، وإمامهم في الصلاة، وحياتهم هي الإسلام كله.
يقول ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها أن يجعل لها بوقًا كبوق اليهود الذين يدعون به لصلاتهم ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس ليضرب به للمسلمين للصلاة، فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه رضي الله عنه أخو الحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بي هذه الليلة طائف؛ مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسًا في يده فقلت له، يا عبد الله أتببيع هذا الناقوس؟
قال: وما تصنع به؟
قلت: ندعو به إلى الصلاة.
قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟
قلت: وما هو؟
قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها لرؤيا حق، إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها
عليه، فليؤذن بها، فإنه أندى صوتًا منك".
فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب، وهو في بيته فخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يجر رداءه، وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فلله الحمد على ذلك"1.
لقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فصارت الأخوة رباطًا يربط المسلم بأخيه، ويلزمه بواجبه نحوه، ويجعل العلاقة بينهما كلها حب، وبر، وتكريم، وعلت أخوة العقيدة على أخوة النسب والمصاهرة، وخلا المجتمع من أي صورة غير إسلامية في أي ناحية من نواحي الحياة وأصبح الكل يحافظ على دين الله تعالى بلا مخالفة، أو تردد، ويكتفي به كفاية يعيش بها، ويعمل لها حتى أن أهل الذمة أقروا بحق الله عليهم، واستسلموا لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاشوا بعهد الذمة آمنين في الدولة المسلمة، ولم يتمردوا على المسلمين إلا بعد أن لعب بهم الهوى، وأضلهم شيطانهم، وكان الله لهم بالمرصاد، فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبة أنفسهم، فكان أن طهر الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة منهم حتى صارت مدينة خالصة لله ورسوله وأخذت عناصر تنظيم المجتمع تتفاعل، وتؤدي دورها في إطار منهج الله تعالى:
- فالإسلام هو المحرك للحياة، والأحياء.
- والرسول هو رائد الخير، وقائد الناس.
- والمسلمون هم الصورة العملية لدين الله تعالى.
وبذلك قام المجتمع الإسلامي، وظهرت معالمه، واستحق أن ينزل في وصفه قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} 2.
واطلع الله على قلوب وأعمال الجماعة المؤمنة فكان معهم بالنصر، والتأييد، ويسر لهم بقدرته أمر الحياة والمعاش وخصهم بما استحقوه من العون، والتوفيق، والسداد.
1 السيرة النبوية ج1 ص805.
2 سورة آل عمران الآية 110.