الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا: تجمع الأحزاب
نشط يهود بني النضير في خطتهم للأخذ بثأرهم، والقضاء على المسلمين حتى يعودوا إلى المدينة مرة أخرى فجمعوا الجموع وحرضوا الأحزاب حتى جاءوا جميعًا لحصار المدينة وقتال المسلمين في وقت وقتوه، ومكان بينوه، وانضم إليهم المنافقون ويهود بني قريظة داخل المدينة، وبذلك وجد المسلمون أنفسهم محاطين بالأعداء من كل جانب.
يقول ابن كثير: إن كفار مكة لما سمعوا مقالة يهود بني النضير سروا، وفرحوا، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفرد من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس، وعيلان، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب في أربعة آلاف، وحمل اللواء عثمان بن طلحة وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وألفًا وخمسمائة بعير والتقت بهم سليم بمر الظهران، في سبعمائة مقاتل يقودهم سفيان بن عبد شمس السلمي.
وخرجت غطفان في ألف يقودهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة. وخرج الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري بألف من بني مرة.
وخرج مسعر بن رخلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع1
ووصلت القبائل إلى مشارف المدينة، وعسكرت بها، فنزلت قريش ومن تبعهم
1زاد المعاد ج3 ص271.
من الأحابيش، وبني كنانة، وأهل تهامة بـ"مجمع الأسيال" المعروف بـ"وادي العقيق" ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، والأعراب بـ"ذنب نقمى".
ومجمع الأسيال وذنب نقمى موقعان متجاوران عند "أحد"1، وهما الموضعان اللذان نزل فيهما الأحزاب.
ولما عسكرت الأحزاب حول المدينة قاطعهم بنو قريظة ودخلوا حصونهم، وأغلقوها عليهم، فخرج إليهم حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقدهم وعهدهم، فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيي فاستأذن عليه حيي، فأبى أن يفتح له.
فناداه حيي وقال: ويحك يا كعب، افتح لي.
قال له كعب: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أر منه إلا وفاء وصدقًا.
قال حيي: ويحك افتح لي أكلمك.
قال: ما أنا بفاعل.
قال: والله ما أغلقت دوني إلا خوفًا على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل بهذه المقالة ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر، ومجد الدنيا.
قال: وما ذاك.
قال حيي: جئتك بـ"قريش" على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بـ"مجمع الأسيال" من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بـ"ذنب نقمى" إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا المدينة حتى نستأصل محمدًا ومن معه.
فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماؤه2 يرعد ويبرق وليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقًا فلم يزل حيي بكعب يناقشه، ويحاوره، ويمنيه حتى سمع له، ونقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 البداية والنهاية ج4 ص102 وذنب نقمى بفتح الذال والنون في ذنب، وفتح النون والقاف في نقمى.
2 الجهام هو السحاب، والمعنى أنه سحاب لا ماء فيه.
ووافقه على محاربته مع الأحزاب بعد أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن يدخل معه في حصنه حتى يصيبه ما ينزل ببني قريظة فنقض كعب بن أسد زعيم بني قريظة العهد، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم1.
وأمر كعب بن أسد، وبنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش، وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم، إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدًا على أن تكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم، فوافقهم حيي على ذلك فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني سعنة أسد، وأسيد، وثعلبة فإنهم خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقضوا عهدهم.
فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين بعث الزبير بن العوام رضي الله عنه لينظر الأمر فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره أن بني قريظة يصلحون حصونهم، وطرقهم2 فبعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير رضي الله عنهم ليؤكدوا للنبي صلى الله عليه وسلم خبر القوم.
وقد قال لهم صلى الله عليه وسلم: "انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم، فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم، فإن كان حقا فالحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس".
فخرجوا حتى أتوهم فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا: الآن وقد كسر محمد جناحنا، وأخرجه من بيننا "يريدون بني النضير" ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه.
ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمر منه.
فاستهزءوا به وردوا عليه ردًا قبيحًا.
1 زاد المعاد ج3 ص272.
2 صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ج6 ص327، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن لكل نبي حواري، وإن حواريي الزبير".
فقال: غير هذا القول كان أجمل بكم وأحسن، ثم نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخرين، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد!
فشاتمهم سعد بن معاذ، وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة.
فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، الذي بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا: عضل، والقارة. أي غدروا كغدر هؤلاء بأصحاب الرجيع.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين".
وتلك نبوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الواقع يشير لغيرها؛ لأن الأحزاب جاءوا بأعداد كثيفة، وأحاطوا بالمسلمين من كل جانب، وجندوا جنودهم خارج المدينة، وداخلها حتى سيطر الخوف على المسلمين، وزلزلت نفوسهم، وزاغت أبصارهم وظنوا أن الهزيمة بهم لاحقة، فاتجهوا إلى الله بالدعاء، والرجاء ليعينهم بأمره، وينصرهم بقدرته، والله على كل شيء قدير.
وظهر النفاق من بعض المنافقين، فقال معتب بن بشر: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر وأن أموالهما تنفق في سبيل الله وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وقالوا ما حكاه الله عنهم في قوله تعالى: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا} 2 وقال رجال ممن كانوا مع معتب {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} 3.
وهمت بنو قريظة بالإغارة على المدينة ليلا، وأرسلوا إلى الأحزاب ليمدوهم بألف من قريش، وألف من غطفان، فبلغ ذلك المسلمين فعظم الخطب واشتد البلاء ثم كفهم الله تعالى عن ذلك لما بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير، ومعهم خيل المسلمين وكان المسلمون يبيتون بالخندق خائفين، فإذا أصبحوا أمنوا.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خوات بن جبير لينظر غرة في بني قريظة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 سيرة النبي ج2 ص221، 222، زاد المعاد ج3 ص272.
2 سورة الأحزاب: 12.
3 سورة الأحزاب: 13.