الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا: مؤمنون صادقون
صدق مجتمع المدينة في إيمانه بالله، وقدم أفراده صورة صحيحة عن الإسلام، وبدءوا يتلقون تعاليم الله تعالى التي جاء بها الوحي تلقيًا صحيحًا.
فلقد كانوا يهتمون بالقرآن الكريم والسنة النبوية حفظًا وفهمًا، ويحيطون بكل ما ينزل، ويعلمون ما يحمله من توجيه وأحكام، وإن غاب عنهم معنى سألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكانوا يتلقون ما يأتيهم من الوحي بالعمل والتطبيق والتنفيذ، وبذلك كانوا صورة عملية للوحي المنزل، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه بكل دقة وإخلاص.
وكان عملهم وفق تعاليم الله مصاحبًا للحب والرضى؛ لأنهم بهذا العمل يعيشون مع الشرع المحكم، ومع الله العزيز، ومع الحق المطلق الذي أنزله العليم الخبير.
وكان من إخلاصهم مع تعاليم الله أنهم طرحوا ما عداه فلم يأخذوا من مواريث فارس أو الروم، وإن تلاقى في بعض جزئياته مع تعاليم الله.
إن ما جاء من عند الله يكفيهم، وهم به سعداء، فلم يتركونه وهو الكامل إلى غيره وهو الناقص؟!!
ولم يتركونه، وقد التزموا بإسلامهم وعليهم أن يتمسكوا به؟!
ولم يتركونه، والترك يمثل خللا في إيمانهم، ونقصًا في تدينهم؟!
ولم يتركونه، وقد ثبت فضله، وتأكدت نتائجه؟!
إن تلقي هذه الجماعة المؤمنة للوحي المنزل كان قائمًا على معرفتهم بحقيقته، وإيمانهم بالواجب معه، وفهمهم لضرورة وضعه في المقام الذي هو جدير به.
إن الوحي هو كلام الله الذي نزل للناس ليكون دستور الحركة، وقانون الحياة، وهو يصور علامة فارقة بين حياة الجاهلية والحياة الإسلامية.
ولقد تلقى الصحابة الوحي بعقولهم، وأعمالهم، وسلوكهم، وأحوالهم، وصاروا به صناعة جديدة.
لم يتلفتوا معه إلى غيره مما صنعه البشر، ولو أتاهم من ممالك الأرض المشهورة -فارس والروم- لأنهم لا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولم يخلطا الوحي بغيره لأنهم لو فعلوها لكانوا ظالمين لأنفسهم ولدينهم لأنهم حينئذ يساوون تعاليم البشر بتعاليم الله تعالى.
إنهم كانوا مع الله صادقين، وكانوا يعلمون أن أهل الباطل يعملون على إضلالهم، وإبعادهم عن الحق، في جرأة على الخير، واستهتار بالحقيقة، واستدلال قبيح يعتمد على البهتان والسوء.
إن منطق أعداء الله واضح في قيامه على الإفك، وبعده عن مسلمات العقل وبداهة الحكمة، إنها جرأة تقلب الأمور، وتجعل الحقائق أباطيل، بلا أدنى إحساس بالخجل والأسف مثل قوله تعالى عن قوم لوط إذا قال بعضهم لبعض:{أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} 1 فلقد جعلوا الطهارة والعفة تهمة يعاقب فاعلها بالطرد والنفي.
ومثل فرعون، وهامان، وقارون، إذ قالوا:{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} 2.
ومثل قول فرعون إذا قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} 3 ومثل قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ
1 سورة النمل: 56.
2 سورة طه: 63.
3سورة القصص: 38.
دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} 1 حيث نرى الآيات تبرز كلمات فرعون وهو يثبت أنه الإله، وأنه واضع الطريقة المثالية، وأن موسى عليه السلام داعية فساد، وأنه يعمل على صرف الناس عن دينهم الصحيح؟!
علمت الجماعة المؤمنة في المدينة المنورة كل هذا، وفهمت الإسلام حق الفهم ولذلك اقتصرت على الأخذ من وحي الله، وتركت ما عداه وإن تزين وتزخرف.
ولقد قدموا من أعمالهم وأخلاقهم المثاليات العوالي التي نتمنى أن نراها في دنيا المسلمين اليوم، ومن هذه الروائع:
- بايع بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم أن لا يسأل الناس، فكان السوط يسقط من أحدهم، فينزل عن دابته فيأخذه ولا يقول لأحد: ناولنيه.
وكان من شدة حبهم وطاعتهم له صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم نهى أهل المدينة عن كلام الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فما كان من الناس إلا أن أطاعوه صلى الله عليه وسلم، وأصبحت المدينة لهؤلاء الثلاثة غريبة، عجيبة، كأنها مدينة الأموات ليس بها من يكلمهم، أو يجيبهم، كأنها لا تعرفهم، وكأنهم في خصومة مع الجميع، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
يقول كعب بن مالك، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي نفس الأرض، فما هي الأرض التي أعرف.
ولقد مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام.
فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟!
فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيني وتوليت حتى تسورت الجدار.
وكان من صدق طاعة كعب بن مالك وهو في المحنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 سورة غافر آية 26.
يأتيه ويقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك.
فيسأله: أطلقها أم ماذا أفعل؟
فيقول له الصحابي: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها.
فيقول كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر وكان من حبه رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم وإيثاره على كل أحد في الدنيا، أن ملك غسان يخطب وده، ويستلحقه بنفسه، "وتلك محنة عظيمة" ولكنه يرفض ذلك.
ويقول كعب: بينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام لبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني فدفع إليّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا فقرأته، فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها1.
ومن دقتهم رضي الله عنهم في طاعة شرع الله تعالى، ومسارعتهم في الامتثال أنه لما نزلت آية تحريم الخمر حرموها على أنفسهم للحظتها، يقول بريدة: بينما نحن قعود على مجلس شراب وعندنا باطية -إناء خمر- لنا ونحن نشرب الخمر حلالا، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} 2.
يقول بريدة: فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم، وبعض القوم شربته في يده، شرب بعضًا، وبقي بعض في الإناء، فألقوا بالآنية، ورموا ما في باطيتهم وقالوا: انتهينا
1 صحيح البخاري كتاب المغازي باب حديث كعب بن مالك ج8 ص86، 87.
2 سورة المائدة: 90-91.
ربنا، انتهينا ربنا! 1.
يقول أنس بن مالك: إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانًا وفلانًا إذ جاء رجل فقال وهل بلغكم الخبر؟
فقالوا: وما ذاك.
قال: حرمت الخمر.
قالوا: أحرق هذه القلال يا أنس.
فما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل2.
وعن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} 3، فقال الناس ما حرم علينا إنما قال فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أم الصحابة في المغرب خلط في قراءته فأنزل الله فيه آية أغلظ منها:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} 4، وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} 5 فقالوا: انتهينا ربنا.
ووصل الصدق في التسليم والخضوع إلى أن الواحد منهم كانت تتشابه لحظة ضعف
1 انظر سنن النسائي ج8 ص253.
2 صحيح البخاري كتاب التفسير باب إنما الخمر والميسر ج7 ص197.
3 سورة البقرة: 219.
4 سورة النساء: 43.
5 سورة المائدة: 90، 91.
فيأتي لرسول الله مقرا بفعله لينال العقاب الذي حدده الله تعالى، وقد يكون في العقاب إزهاق روحه، وذلك كما فعل ماعز والغامدية إذ جاء للرسول وأقرا بالزنا وهما محصنان فرجمهما عليه السلام1.
إن هذا المجتمع الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقيدة الإسلامية كان صورة صادقة لتعليم الإسلام وتطبيقاته، فكل من فيه صدق إيمانه، وقويت عقيدته، وعبد نفسه للمعبود العظيم.
إن الأمة الإسلامية التي أخرجت للناس قد بلغت الأوج، كانت تعمل لله، وتجاهد لله، وتسعى إلى غايتها المرموقة في حب وثقة، التفت حول نبيها التفاف التلامذة بالمعلم، والجند بالقائد، والأبناء بالوالد الحنون.
وتساندت فيما بينها، بالأخوة المتبادلة المتناصرة، فهم نفس واحدة في أجسام متعددة، ولبنات مشدودة، في بناء منسق صلب.
وأدارت علاقتها بالآخرين على العدل والبر، فليس يظلم في جوارهم بريء، أو يحرم من ألطافهم عان أو يؤاخذ أحدهم بذنب غيره، أو يعطي لواحد ما يستحقه غيره من ثواب.
وبرغم ما وقع على المؤمنين من بغي قديم، فقد جعلت الإسلام يجب ما قبله، فمن تطهر من جاهليته، وتاب إلى ربه لا ينظر أحد إلى ماضيه، بل يصير في الجماعة المسلمة عضوًا كريمًا فيها، يملأ بصالح عمله كتابه الجديد.
أما الذين بقوا يكفرون ويصدون، فلا بد من الإعداد لهم، حتى تخلص الأرض من كفرهم وصدهم.
كانت هذه الأمة تكدح لله، وتصل مساءها بصباحها في عبادته، وقد حزمت أمرها على واحد من اثنين، إما أن تحيا لله، وإما أن تموت فيه.
1 الفتح الرباني ج18 ص85 وانظر تفصيل ذلك في ص212.
2 سورة النساء الآيتان 168، 169.