الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولا: تتابع مجئ الوفود إلى المدينة
…
أولا: تتابع مجيء الوفود إلى المدينة
تيقن العرب من انتصار الإسلام، وآمنوا بصدقه وأحقيته فأسرعوا إلى الدخول فيه وبدءوا يرسلون وفودًا من قبلهم يمثلونهم لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلم الإسلام، وكان العام التاسع هو قمة هذا التحرك الشامل.
أورد ابن سعد في الطبقات تفصيلات عن سائر الوفود التي جاءت للمدينة المنورة سواء قل عدد أفراد الوفد أو كثر، وسواء كان مجيئها في السنة التاسعة أو العاشرة أو قبل التاسعة أو بعد العاشرة، وسواء أعلن الوفد إسلامه أو اتفق على دفع الجزية، ويمكن مراجعة تفصيلات الوفود في كتب السنة، وفي كتب التاريخ ومؤلفات السيرة وغيرها.
ومن أهم الوفود1 التي جاءت إلى المدينة ما يلي:
1-
وفد أحمس:
قدم قيس بن غربة الأحمسي في مائتين وخمسين رجلا من أحمس فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أنتم"؟.
فقالوا: نحن أحمس الله، وكان يقال لهم ذلك في الجاهلية.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنتم اليوم لله".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: "أعط ركب بجيلة وابدأ بالأحمسيين". ففعل.
2-
وفد أزد شنوءة:
قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله الأزدي في وفد من الأزد مكون من بضعة عشر رجلا فنزلوا على فروة بن عمرو، فحباهم وأكرمهم وأقاموا عنده عشرة أيام فأسلموا، وكان صرد أفضلهم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن.
3-
وقد أزد عمان:
أسلم أهل عمان فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي يعلمهم شرائع الإسلام ويأخذ صدقة أموالهم، فخرج وفدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أسد بن بيرح الطاحي، فلما قابلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم، فقال مخربة العبدي واسمه مدرك بن خوط: ابعثني إليهم فإن لهم عليّ منة، أسروني يوم جنوب فمنوا عليّ، فوجهه صلى الله عليه وسلم معهم إلى عمان.
وقدم سلمة بن عياذ الأزدي في أناس من قومه، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يعبد وما يدعو إليه، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله لي أن يجمع كلمتنا وألفتنا،
1 تراجع تفصيلات الوفود في المغازي، والطبقات، وزاد المعاد.
فدعا رسول الله لهم، فلما رجع سلمة إلى قومه أسلموا وبارك الله فيهم.
4-
وفد بني أسد:
قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، وضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القائف، وسلمة بن حبيش، وطليحة بن خويلد، ونقادة بن عبد الله بن خلف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مع أصحابه، فسلموا وقال متكلمهم: يا رسول الله! إنا شهدنا ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله فقبل منهم رسول الله، وسر بإسلامهم وأمرهم بدعوة قومهم، وتعليمهم الإسلام وأكرم وفادتهم ثم عادوا إلى ديارهم.
5-
وفد أسلم:
قدم عمير بن أفصى في جماعة من أسلم فقالوا: قد آمنا بالله ورسوله، واتبعنا منهاجك فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتها فإنا إخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء والنصر في الشدة والرخاء.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسلم سلمها الله، وغفار غفر الله لها".
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم، ومن أسلم من قبائل العرب ممن يسكن السيف والسهل، وفيه ذكر الصدقة والفرائض في المواشي.
وكتب الصحيفة ثابت بن قيس بن شماس، وشهد عليها أبو عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
6-
وفد أسيد بن أبي أناس:
قال ابن عباس رضي الله عنه: أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دم أسيد بن أبي أناس لما بلغه أنه هجاه، فأتى أسيد الطائف فأقام بها، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خرج سارية بن زنيم إلى الطائف.
فقال له أسيد: ما وراءك؟
قال سارية: قد أظهر الله تعالى نبيه ونصره على عدوه، فاخرج يابن أخي إليه فإنه لا يقتل من أتاه.
فحمل أسيد امرأته، وخرج وهي حامل تنتظر، وسار نحو مكة فألقت غلامًا عند قرن الثعالب وأتى أسيد أهله فلبس قميصًا واعتم، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسارية بن زنيم قائم بالسيف عند رأسه يحرسه، فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أهدرت دم أسيد؟
قال: "نعم".
قال: تقبل منه إن جاءك مؤمنًا؟
قال: "نعم".
فوضع يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذه يدي في يدك، أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد ألا إله إلا الله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وألقى يده على صدره.
7-
وفد أشجع:
قدمت أشجع على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الخندق وهم مائة ورأسهم مسعود بن رخيلة فنزلوا شعب سلع، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر لهم بأحمال التمر، فقالوا: يا محمد لا نعلم أحدًا من قومنا أقرب دارًا منك، ولا أقل عددًا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك فجئنا نوادعك، فوادعهم صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا بعد ذلك.
8-
وفد الأشعريين:
روى مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: $"أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا والإيمان يمان، والحكمة يمانية، السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدَّادين من أهل الوبر قبل مطلع الشمس1.
1 صحيح مسلم كتاب الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان ج2 ص30.
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب وهم خيار مَن في الأرض".
فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله؟ فسكت، ثم قال: إلا نحن يا رسول الله؟
فقال صلى الله عليه وسلم: "إلا أنتم"1.
قال: ولما لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلموا وبايعوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الأشعريون في الناس كصرة فيها مسك".
9-
وفد الأشعث بن قيس:
قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث بن قيس في وفد كندة في ثمانين راكبًا من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده وقد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، وقد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: $"ألم تسلموا؟ ".
قالوا: بلى.
قال صلى الله عليه وسلم: "فما بال هذا الحرير في أعناقكم"؟.
فشقوه منها، فألقوه.
10-
وفد بارق:
قدم وفد بارق على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا كتاب من محمد رسول الله لبارق لا تجد ثمارهم ولا ترى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق، ومن مر بهم من المسلمين في عرك، أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام، وإذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللقاط يوسع بطنه من غير أن يقتثم". شهد أبو عبيدة بن الجراح، وحذيفة بن اليمان وكتب أبي بن كعب.
1 زاد المعاد ج3 ص619.
11-
وفد باهلة:
قدم مطرف بن الكاهن الباهلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وافدًا لقومه، فقال يا رسول الله أسلمنا للإسلام وشهدنا دين الله في سماواته وأنه لا إله غيره، وصدقناك وآمنا بكل ما قلت فاكتب لنا كتابًا فكتب له:
"من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيئة من باهلة، إن من أحيا أرضًا مواتًا فيها مراح الأنعام فهي له، وعليه في كل ثلاثين من البقر فارض، وفي كل أربعين من الغنم عتود، وفي كل خمسين من الإبل مسنة، وليس للمصدق أن يصدقها إلا في مراعيها وهم آمنون بأمان الله".
ثم قدم نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدًا لقومه، فأسلم وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم للوفد ولمن أسلم من قومهم كتابًا فيه شرائع الإسلام.
وكتبه عثمان بن عفان رضي الله عنه.
12-
وفد بني البكاء:
وفد من بني البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع ثلاثة نفر على رأسهم معاوية بن ثور بن عبادة البكائي، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له بشر، والفجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء، ومعهم عبد عمرو، وهو الأصم، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة وضيافة، وأجازهم، ورجعوا إلى قومهم، وقال معاوية للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أتبرك بمسك، وقد كبرت وابني هذا بر بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه بشر بن معاوية وأعطاه أعنزًا عفرًا وبرك عليهن.
13-
وفد بني بكر بن وائل:
قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل منهم: هل تعرف قس بن ساعدة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس هو منكم، هذا رجل من أباد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظًا والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه".
وكان في الوفد بشير بن الخصاصية، وعبد الله بن مرثد، وحسان بن حوط.
وقدم معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف عن عمرو بن الحارث بن سدوس وكان ينزل اليمامة فباع ما كان له من مال باليمامة، وهاجر وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجراب من تمر فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة.
14-
وفود بلى:
قدم وفد من بلى في شهر ربيع الأول سنة تسع فأنزلهم صلى الله عليه وسلم في منزل ببني جديلة، ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه في بيته في الغداة فسلموا عليه وتكلموا معه فقال صلى الله عليه وسلم:"يا رويقع".
قال: لبيك.
قال صلى الله عليه وسلم: "من هؤلاء القوم"؟.
قال: قومي.
قال صلى الله عليه وسلم: "مرحبا بك وبقومك".
قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمنا وافدين عليك، مقرين بالإسلام ونحن على من وراءنا من قومنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرًا يهده للإسلام".
قال فتقدم شيخ الوفد أبو الضبيب فقال: يا رسول الله إنا قدمنا عليك لنصدقنك ونشهد أن ما جئت به الحق، ونخلع ما كنا نعبد ويعبد آباؤنا.
فقال رسول الله: "الحمد لله الذي هداكم للإسلام فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار"1.
1 الطبقات الكبرى ج1 ص330.
15-
وفود تجيب:
قدم وفد تجيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثة عشر رجلا، وساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عز وجل، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وأكرم منزلهم، وقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم سقنا إليك حق الله في أموالنا.
فقال صلى الله عليه وسلم: "ردوها فاقسموها على فقرائكم".
قالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل من فقرائنا.
فقال أبو بكر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدم علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من تجيب.
فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الهدى بيد الله عز وجل، فمن أراد الله به خيرًا شرح صدره للإيمان".
وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رغبة، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم1.
16-
وفود بني تغلب:
قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني تغلب ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم النصارى على أن يقرهم على دينهم، وعلى أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم.
17-
وفود ثمالة والحدان:
قدم عبد الله بن علس الثمالي، ومسلمة بن هاران الحداني على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومهم، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم كتبه ثابت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة.
1 المستدرك للحاكم ج2 ص61.
18-
وفود جذام:
وفد رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذامي، ثم أحد بني الضبيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهدنة قبل خيبر، وأهدى له عبدًا وأسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا:"هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لرفاعة بن زيد، إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى رسول الله فمن آمن -وفي لفظ- فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسول الله ومن أدبر -وفي لفظ- من أبى فله أمان شهرين". فلما قدم على قومه أجابوه وأسلموا.
19-
وفود جرم:
روى ابن سعد عن سعد بن مرة الجرمي عن أبيه قال: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان منا يقال لأحدهما: الأصقع بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح، والآخر هوذة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن رياح فأسلما، وكتب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا.
20-
وفود جرير بن عبد الله البجلي:
بعث إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فقال: "ما جاء بك"؟.
قلت: جئت لأسلم. فألقى إليّ كساءه وقال: "إذًا أتاكم كريم قوم فأكرموه ".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدعوك إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله وأن تؤمن بالله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم شهر رمضان، وتنصح لكل مسلم، وتطيع الوالي وإن كان عبدًا حبشيًا".
21-
وفود همدان:
قدموا سنة تسع بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمّر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وبعث إلى سائرهم خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام، فأقام ستة أشهر يدعوهم فلم يجيبوه، ثم بعث علي بن أبي طالب، وأمره أن يقفل خالدًا، فجاء عليّ إلى همدان، وقرأ عليهم كتابًا
من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا جميعًا، وكتب عليّ ببشارة إسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال:"السلام على همدان، السلام على همدان".
22-
وفود فزارة:
قدم هذا الوفد سنة تسع بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، قدم في بضعة عشر رجلا جاءوا مقرين بالإسلام، وشكوا جدب بلادهم، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فرفع يديه واستسقى وقال:"اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا، مغيثًا، مريحًا، طبقًا، واسعًا، عاجلا، غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء"1.
23-
وفد نجران:
كانت وفادة أهل نجران2 سنة تسع، وقوام الوفد ستون رجلا، منهم أربعة وعشرون من الأشراف، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران، أحدهم العاقب، كانت إليه الإمارة والحكومة واسمه عبد المسيح، والثاني السيد، كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية واسمه الأيهم أو شرحبيل، والثالث الأسقف وكانت إليه الزعامة الدينية، والقيادة الروحانية، واسمه أبو حارثة بن علقمة.
ولما نزل الوفد بالمدينة، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم سألهم وسألوه، ثم دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، وسألوه عما يقول في عيسى عليه السلام، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك حتى نزل عليه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ
1 زاد المعاد ج3 ص653.
2 زاد المعاد ج3 ص629.
مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} 1.
وقالوا: إنا نعطيك ما سألتنا، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الجزية، وصالحهم على ألفي حلة ألف في رجب، وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة الله وذمة رسوله، وترك لهم الحرية الكاملة في دينهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلا أمينًا فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبا عبيدة بن الجراح، ليقبض مال الصلح.
ثم طفق الإسلام يفشو فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعدما رجعا إلى نجران، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عليًا، ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين.
24-
وفد بني حنيفة:
كانت وفادتهم سنة تسع وكانوا سبعة عشر رجلا فيهم مسيلمة الكذاب وهم مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث من بني حنيفة، نزل هذا الوفد في بيت رجل من الأنصار، ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، واختلفت الروايات في مسليمة الكذاب، ويظهر بعد التأمل في جميعها أن مسيلمة صدر منه الاستنكاف والأنفة والاستكبار والطموح إلى الإمارة، وأنه لم يحضر مع سائر الوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل أولا، فلما رأى أن ذلك لا يجدي فيه نفعًا تفرس فيه الشر.
25-
وفد بني عامر بن صعصعة:
كان فيهم عامر بن الطفيل عدو الله وأربد بن قيس أخو لبيد لأمه وخالد بن جعفر وجبار بن جعفر، وجبار بن أسلم، وكانوا رؤساء القوم، وشياطينهم وكان عامر هو
1 سورة آل عمران: 59-61.
الذي غدر بأصحاب بئر معونة، فلما أراد هذا الوفد أن يقدم المدينة تآمر عامر وأربد، واتفقا على الفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء الوفد جعل عامر يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، ودار أربد خلفه، واخترط سيفه شبرًا ثم حبس الله يده فلم يقدر على سله وعصم الله نبيه ودعا عليهما النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رجعا أرسل الله على أربد وجمله صاعقة فأحرقته، وأما عامر فنزل على امرأة سلولية فأصيب بغدة في عنقه فمات وهو يقول: أغذة كغدة البعير وموتًا في بيت السلولية.
وفي صحيح البخاري: أن عامرًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين خصال ثلاث: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، فطعن في بيت امرأة، فقال: أغدة كغدة البعير، في بيت امرأة من بني فلان ايتوني بفرسي، فركب فمات على فرسه.
26-
وفد طيئ:
قدم هذا الوفد وفيهم زيد الخيل، فلما كلموا النبي صلى الله عليه وسلم، وعرض عليهم الإسلام أسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد:"ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني إلا رأيته دونما يقال فيه، إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه". وسماه زيد الخير.
وهكذا:
تتابعت الوفود من كل أنحاء جزيرة العرب، ودخل الجميع في دين الله أفواجًا.
وقد استعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لاستقبال الوفود، والترحيب بهم ورعايتهم وتزويدهم بما يحتاجون إليه في دين الله تعالى.