الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من أنواعه، وقيل غير ذلك (1).
ونعرض طريقة الحنفية، ثم طريقة الجمهور بشيء من التفصيل.
أولًا: طريقة الى حنفية في تقسيم المبهم:
قسم الحنفية المبهم بحسب مراتب الخفاء إلى أربعة أنواع وهي: الخفي، والمشكل، والمجْمل، والمتشابه.
والأساس في هذا التقسيم أن خفاء اللفظ إما أن يرجع إلى ذات اللفظ، أو لعارض، فإن كان الخفاء لعارض من غير اللفظ، وأمكن معرفة المراد منه بالبحث والاجتهاد فهو الخفي، وإن رجع الخفاء لنفس اللفظ فينظر: فإن أمكن معرفة المراد من اللفظ بالعقل (بالاجتهاد) فهو: المشْكل، وإن أمكن معرفة المراد منه بالنقل (بالنصوص الشرعية أو من المشرع القانوني) لا بالعقل فهو: المجْمل، وإن لم يمكن إدراك المعنى أصلًا لا بالعقل ولا بالنقل فهو: المتشابه، فالخفاء في الأول من غير الصيغة، وفي الأنواع الثلاثة الأخرى فهو بعارض من الصيغة نفسها (2)، وهذا بيان مختصر لكل منها مع أمثلته وحكمه.
1 - الخفي:
الخفي لغة: مأخوذ من خفي، أي: استتر، والخفاء هو عدم الظهور والستر والكتمان، وفي الاصطلاح الأصولي عند الحنفية: هو اللفظ الظاهر في دلالته على معناه، ولكن في انطباق معناه على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء، ويحتاج إلى نظر واجتهاد، بالرجوع إلى النصوص الأخرى، وعلل الأحكام، ومقاصد الشريعة (3).
(1) المستصفى (1/ 345)، المحصول (2/ 221)، الإحكام للآمدي (3/ 8)، شرح تنقيح الفصول ص 37، 274، شرح الكوكب المنير (3/ 413)، إرشاد الفحول ص 167، شرح العضد (2/ 58)، تفسير النصوص (1/ 326)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 312، 245).
(2)
علم أصول الفقه ص 169، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 336).
(3)
المعجم الوسيط (1/ 247) مادة: خفي، القاموس المحيط، مادة: خفي، أصول =
فاللفظ يدل دلالة ظاهرة على معناه، ولكن عرض له عارض من غير الصيغة، فصار فيه غموض وخفاء في انطباقه على بعض أفراده، فيعتبر خفيًّا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد، ولذلك كان أقل أنواع المبهم خفاء، ويقابله الظاهر في مراتب الوضوح.
مثاله: قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فلفظ "السارق" له معنى ظاهر في مدلوله، وهو من يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله (1)، لكن في دلالته على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء، مثل الطَّرَّار (النَّشّال) الذي يأخذ مال غيره في غفلة من صاحبه بنوع من المهارة والخفة ومسارقة الأعين، فهو يغاير السارق بوصف زائد فيه، وله اسم خاص، مما أورث شبهة وخفاء في انطباق حكم السارق عليه، واحتاج إلى بحث واجتهاد.
وبعد الاجتهاد قال الجمهور: إن علة قطع السارق أكثر توفرًا في النَّشال؛ فإنه سارق وزيادة؛ لأن السارق يسارق الأعين النائمة، والنشَّال يسارق الأعين المتيقظة، فقالوا: ينطبق عليه حكم السارق، وتقطع يده بالأَوْلى، ويثبت وجوب القطع فيه بعبارة النص؛ لأنه سارق ماهر (2).
ومثله النبَّاش الذي يسرق أكفان الموتى من قبورهم، فهو يغاير السارق؛ لأنه يأخذ مالًا غير مرغوب فيه عادة، ومن القبر، وبحث العلماء في ذلك، واختلفوا، فقال جمهور الحنفية: إنَّ النَّباش ينقص فيه معنى السرقة، ولا ينطبق عليه اسم السارق؛ لأن المال غير مرغوب فيه عادة، والقبر ليس حرزًا
= السرخسي (1/ 167)، كشف الأسرار (1/ 51)، علم أصول الفقه ص 170، تفسير النصوص (1/ 230)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 336)، أصول الأحكام ص 242.
(1)
الحرز: ما يحفظ فيه المال عادة وعرفًا الصندوق والمنزل والحظيرة، انظر: المهذب (5/ 422)، مغني المحتاج (4/ 163)، الروضة (10/ 121).
(2)
ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى إلى عدم قطع يد النشال، لأنه لا ينطبق عليه تعريف السارق، وله اسم خاص، ولا يأخذ المال خفية، بل خلسة لعدم التيقظ من صاحب المال، لذلك يعاقب النشال بالتعزير لا بالحد (أصول الأحكام ص 242).
لما فيه، فلا تقطع يد النباش، وإنما يُعزَّر، وقال الأئمة الثلاثة وأبو يوسف: إنّه يعدُّ سارقًا وتقطع يده (1).
ومثاله من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَرِثُ القاتلُ شيئًا"(2)، فلفظ "القاتل" واضح الدلالة، ودلالته ظاهرة في القتل عمدًا، وأما دلالته على القاتل خطأ، ففيها شيء من الخفاء والغموض، بسبب وصف الخطأ، وأن الحرمان من الميراث عقوبة مالية، فهل لي يعاقب المخطئ في القتل بحرمان الميراث كالعامد؟ ومثل ذلك القتل بالتسبب والدفاع الشرعي، وهذا يحتاج إلى بحث واجتهاد.
اختلف الأئمة في ذلك فقال المالكية: لا يُحرم من الميراث إلا القاتل عمدًا، دون غيره الذين لا يقصدون القتل، وقال الشافعية بالحرمان من الميراث لكل قاتل ولو خطأ، أو بالتسبب أو بالدفاع الشرعي، حتى لو كان القاتل غير مكلف، وفصّل الحنفية والحنابلة، لكنهم قالوا بحرمان القاتل خطأ من الميراث (3).
ومثل ذلك: البائع إذا أخذ من المشتري نقودًا على أن يأخذ منها ثمن المبيع، ويرد الباقي، فاختفى، فهل يَصْدُق عليه أنه سارق أو خائن الأمانة؟
وهكذا كل لفظ يدل دلالة ظاهرة على معناه، ولكن وُجد خفاء أو اشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد، فإنه يعتبر خفيًّا بالنسبة إلى هذه الأفراد (4).
وأمثلة الخفي في القوانين كثيرة، منها عدد من الجرائم التي يشتبه أمرها
(1) المهذب (5/ 425)، والمراجع السابقة في تعريف الخفي، وانظر: علم أصول الفقه ص 178، تفسير النصوص (1/ 236)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 336)، أصول الأحكام ص 242.
(2)
هذا الحديث ورد بألفاظ أخرى "ليس للقاتل ميراث""ليس للقاتل شيء" القاتل لا يرث" عن عدد من الصحابة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والدارمي (نيل الأوطار 6/ 84 - 85).
(3)
انظر تفصيل ذلك وآراء الأئمة والمذاهب في كتابنا: الفرائض والمواريث والوصايا ص 86 وما بعدها، تفسير الصوص (1/ 242)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 337)، أصول الأحكام ص 243.
(4)
علم أصول الفقه ص 171.