الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أمر مجاور له، وكون الوصف المنهي عنه لازمًا للموصوف أو غير لازم، وهذا بيان مختصر لذلك.
1 - الأمور الحسية:
وهي التي تدرك بالحس، أو لها وجود حسي فقط كالزنى والقتل وشرب الخمر والكفر والغيبة، فلا يتوقف حصولها على الشرع، وتتفق العقول على قبحها، فهذه الأمور اتفق العلماء على أن النهي عنها يدل على الفساد والبطلان، لأن النهي عن فعلها دليل على قبحها في ذاتها، إلا إذا قام دليل على كونها قبيحة لمعنى لا في ذاتها، وإنما لمعنى آخر، كالنهي عن وطء الحائض، فالقرينة اللفظية دلت على أن النهي لما يترتب عليها من الأذى، لقوله تعالى:{قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]، ولذلك تترتب بعض الأحكام على وطء الحائض، كالحل للزوج الأول في المطلق ثلاثًا، والنسب، وتكميل المهر، والإحصان، وغيره.
2 - التصرفات الشرعية والنهي عن المحل:
التصرفات الشرعية هي التي لا تعرف إلا عن طريق الشرع، فإذا كان النهي متوجهًا إلى المحل، سواء كان عقدًا أو عبادة، فاتفق العلماء على أن النهي يدل على الفساد والبطلان معًا، بمعنى أن التصرف (عبادة أو عقدًا) يعتبر معدومًا ولا يترتب عليه أثر، كالنهي عن بيع الجنين في بطن أمه، والنهي عن بيع الميتة، والنهي عن بيع الزرع قبل وجوده، والنهي عن بيع ما ليس عنده، لأن المحل معدوم، والعقد لا يقوم إلا بالمحل، والنهي عن الصلاة والصيام والحج إذا فقد ركن من أركانها، أو شرط من شروطها.
3 - التصرفات الشرعية والنهي عن أمر مقارن غير لازم:
إذا كان النهي مقترنًا بما يدل على أنه كان لأمر مقارن للعمل، ولكنه غير لازم له، لأنه قد ينفك عنه، ولا يرتبط به باستمرار، كالنهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، أو بالثوب المغصوب، أو المسروق، أو بماء مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، والنهي عن البيع وقت الأذان لصلاة الجمعة ونحوه، فالنهي ليس واردًا على ذات الشيء، ولا إلى صفة من صفاته بل إلى
أمر خارج عنه، وهنا اختلف العلماء على دلالة النهي على قولين:
القول الأول: هذا النهي لا يفيد بطلان العمل، ولا فساده، ويبقى صحيحًا في الواقع، وتترتب عليه آثاره المقصودة منه، ولكنه حرام (أي فيه إثم) عند الأكثرين، ومكروه تحريمًا عند الحنفية، لمخالفته توجيه المشرع.
واستدلوا على ذلك بأن النهي لا يرجع إلى المنهي عنه كالصلاة والذبح، ولأن النهي غير لازم للتصرف الشرعي كالصلاة والذبح، فالجلوس في الدار المغصوبة في غير الصلاة ممنوعة، واستخدام السكين المغصوبة حرام في الذبح وغيره، والانشغال عن صلاة الجمعة حرام سواء كان بالبيع أو بغيره، فالنهي لا يرجع إلى المنهي عنه بذاته فلا يؤثر فيه، كما سبق الكلام على النهي عن الوطء في الحيض، ولذلك يصح البيع وقت النداء، وينتج آثاره، وإن أثم فاعله، وهذا قول الجمهور.
القول الثاني: وهو قول الحنابلة والظاهرية، فقالوا: إن النهي هنا يقتضي بطلان المنهي عنه، وعدم ترتيب الآثار عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"(1)، ولاستدلال الصحابة رضوان اللَّه عليهم ببطلان التصرفات المنهي عنها مطلقًا، ولو لوصف غير لازم، فابن عمر رضي الله عنهما استدل على فساد نكاح المشركات وبطلانه بقوله تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221]، واستدل الصحابة على فساد عقود الربا بقول صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل
…
الحديث" (2)، وفساد نكاح المُحْرِم بالنهي عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَنكح المُحْرِم، ولا يُنكح" (3)، ولأن نهي الشرع عن تلك الأمور يقتضي عقلًا اشتراط خلوها مما ارتبط بها، وإلا لم تكن مشروعة.
(1) هذا الحديث رواه البخاري معلقًا، ورواه في كتاب "خلق أفعال العباد" ورواه مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا.
(2)
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن ومالك والشافعي والبيهقي عن عبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما مرفوعًا بألفاظ مختلفة.
(3)
هذا الحديث رواه مسلم وأصحاب السنن ومالك وأحمد والدارمي وغيره.