الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مجتهدَيْن، ولكنهما يختلفان في دلالته، كحديث:"البيّعان بالخيار ما لم يفترقا"، وقد يختلفان في عمومه وتخصيصه، وإطلاقه وتقييده، ونوع دلالته بالمنطوق والمفهوم، والعبارة والإشارة، وغير ذلك، وهو محل للاجتهاد، وقد يعتمدون على القواعد اللغوية ومقاصد الشريعة لترجيح المعنى المراد على الآخر.
3 - ما لا نص فيه ولا إجماع:
إن القضايا التي لم يرد فيها نص أصلًا، ولم يقع عليها إجماع، يجب على المجتهدين أن يبحثوا عن حكمها بالأدلة العقلية التي أقرها الشرع، كالقياس، والاستحسان، والاستصلاح، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، والعرف، وغيره من أدلة الأحكام ومصادر التشريع المختلف فيها، وكلها تدخل في باب الاجتهاد، وتكون محلًا للاجتهاد، ومجالًا للمجتهد، وهذا باب واسع جدًّا، ومسائله لا تُحدّ، ولا تُعدّ، ولا تُحصى، وتتبع التطور، وكل القضايا المستجدة، والطوارئ في كل عصر حتى تقوم الساعة، ولذلك يعتبر باب الاجتهاد واسعًا، ومجاله رحبًا، ليستوعب كل ما يحتاجه المسلمون (1).
تجزؤ الاجتهاد:
يترتب على معرفة شروط الاجتهاد، وتوفرها في الشخص، وبيان المجتهد فيه ومجاله ونطاقه وما يسوغ فيه، يترتب مسألة أصولية مهمة، وخاصة في عصرنا الحاضر، وهي تجزؤ الاجتهاد.
ومعنى تجزؤ الاجتهاد جريانه في بعض المسائل دون بعض، بأن يحصل للمجتهد ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة في بعض المسائل دون غيرها، فيتمكن العالم من استنباط الحكم في مسألة فقهية دون غيرها، أو في باب فقهي كالعبادات، أو الشركات، أو الجهاد، أو السياسة الشرعية، أو طرق الإثبات، أو الفرائض، ممن توفرت فيه شر وط الاجتهاد، وعرف استنباط بعض الأحكام دون بعض.
واختلف العلماء في مشروعية تجزؤ الاجتهاد إلى قولين:
(1) المراجع السابقة.
القول الأول: يجوز تجزؤ الاجتهاد، بأن يعرف المجتهد جميع مآخذ المسألة الواحدة من الكتاب والسنة ليجتهد بها، وهو رأي أكثر العلماء، فقال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "الصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد، بمعنى أن يكون مجتهدًا في باب دون غيره، وعزاه الهندي للأكثرين
…
، وقال ابن دقيق العيد: وهو المختار" (1)، وقال ابن النجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى: "الاجتهاد يتجزأ عند أصحابنا والأكثر" (2)، وقال الغزالي: "يجوز أن يكون منتصبًا للاجتهاد في باب دون باب" (3).
القول الثاني: عدم جواز تجزؤ الاجتهاد، وهو رأي بعض العلماء القدامى، وأيده الشوكاني، ومال إليه بعض المعاصرين (4).
أدلة القول الأول:
استدل الأكثر على مشروعية جواز تجزؤ الاجتهاد بعدة أدلة، منها:
1 -
إن العالم إذا اطّلع على أدلة مسألة ما، أو باب معين، وعرف أحكامه، وجمع كل ما يتعلق به، فيجب عليه أن يجتهد، ولا يجوز له تقليد غيره؛ لأن ترك ما فهمه باجتهاده يكون تركًا للعلم، وهذا ما أراده ابن دقيق العيد فقال:"قد تمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل له المعرفة، وإذا حصلت المعرفة بالمأخذ أمكن الاجتهاد"(5).
(1) البحر المحيط (6/ 209).
(2)
شرح الكوكب المنير (4/ 473).
(3)
المستصفى (2/ 353).
(4)
المراجع السابقة، وانظر: المعتمد (2/ 932)، الإحكام للآمدي (4/ 164)، البناني وجمع الجوامع (2/ 386)، المحصول (3/ 37)، كشف الأسرار (4/ 17)، تيسير التحرير (4/ 182)، العضد على ابن الحاجب (2/ 290)، شرح تنقيح الفصول ص 438، الروضة ص 353، المدخل إلى مذهب أحمد ص 183، إرشاد الفحول ص 254، مختصر البعلي ص 164، مختصر الطوفي ص 174، أعلام الموقعين (4/ 275)، مجموع الفتاوى (20/ 204، 212)، علم أصول الفقه ص 220، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1075).
(5)
البحر المحيط (6/ 209)، إرشاد الفحول ص 255.
2 -
يلزم من القول بمنع تجزؤ الاجتهاد أن يكون المجتهد عالمًا بجميع أحكام الشرع وأدلتها، وهذا غير صحيح، ولا مقبول، ويخالف الواقع، لأنه ليس في وسع البشر، ولم يشترط أحد في المجتهد والمفتي والفقيه أن يكون عالمًا بجميع أحكام المسائل وأدلتها، وإن الصحابة رضوان اللَّه عليهم توقفوا في كثير من الأحيان، والأئمة المجتهدون -اجتهادًا مطلقًا- لم يصلوا إلى هذه المرتبة دفعة واحدة، ولم يتوقف اجتهادهم حتى حازوا جميع العلوم، وعندما وصلوا إلى الاجتهاد المطلق توقفوا عن بعض المسائل، فقد سئل الإمام مالك عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع، وقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، وكذلك توقف الشافعي، والإمام أحمد، وغيرهما.
3 -
إذا جمع العالم الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد أدلة المسألة أو الباب، واطلع على أماراتها، كان هو وغيره سواء في تلك المسألة أو الباب، وكونه لا يعلم أمارات وأدلة باب آخر لا يؤثر على علمه السابق، ويجوز له الاجتهاد كما يجوز لغيره؛ لأنه قد عرف الحق بدليله.
أدلة القول الثاني:
استدل المانعون لتجزؤ الاجتهاد بأدلة، منها:
1 -
إن أكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض، والاجتهاد ملكة وأهلية معينة تتوقف على فهم روح الشريعة ومقاصدها ومبادئها العامة، كالبلاغة والشعر، فإن تحققت الأهلية استطاع صاحبها الاجتهاد في كل المسائل، ومن عجز عن بعضها عجز عن الاجتهاد في كلها.
2 -
إن المسائل التي يجتهد بها الشخص قد تكون متعلقة بما يجهله، وبالتالي فإن اجتهاده الجزئي يشوبه الخلل والنقص، فلا يحصل.
ويبدو ترجيح قول الجمهور، وأنه يجوز تجزؤ الاجتهاد، وهو يتفق مع الواقع، فالمجتهد المطاق الذي حاز درجة الاجتهاد الكامل لا يمكنه، ولا يتصور، أن يجتهد في كل المسائل دفعة واحدة، وأن يكون مطلعًا في وقت واحد على جميع المسائل والأحكام والأدلة، وأن المجتهد الجزئي يعلم بكل
ما يتعلق بالمسألة أو الباب، وهذا ما وقع فعلًا بعد عصر الأئمة المجتهدين، وطوال العصور اللاحقة التي تسمى عصور التقليد، فكان الاجتهاد الجزئي قائمًا، وإن التخصصات الدقيقة في عصرنا في باب فقهي، مع دراسة أصول الفقه، تخوّل صاحبها الاجتهاد الجزئي فيها، وهو الواقع الملموس في علماء العصر الذين يتعمقون في باب فقهي، ويكتبون فيه الرسائل العلمية المعمقة والشاملة.
ونختم هذا الترجيح بقول ابن قيم الجوزية رحمه اللَّه تعالى: "الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم، مقلدًا في غيره، أو في باب من أبوابه، كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض، وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد، أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ ثلاثة أوجه، أصحها: الجواز، بل هو الصواب المقطوع به"(1).
(1) أعلام الموقعين (4/ 188).