الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجماع، ومثل لفظ "نكح" في قوله تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22]، يصح أن يراد منه العقد، والجماع؛ لأنه لا تدافع بينهما، باعتبار أن النكاح حقيقة في الأول، مجاز في الآخر عند الشافعية، وعكسه عند الحنفية، ومثله قوله تعالى:{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)} [الحج: 77]، فإنه حقيقة في الوجوب، ومجاز في الندب، والآية تشمل الأمرين، ومنه قولهم:"القلم أحد اللسانين" ويراد من اللسان الجارحة المخصوصة، وهو حقيقة، والآلة التي يكتب بها، وهو مجاز، واستعمل اللفظ الواحد في الأمرين (1).
وقال الحنفية وبعض العلماء كالباقلاني: يمنع إطلاق اللفظ على المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في وقت واحد، بحيث يعتبر كل منهما مقصودًا في الحكم، للتعارض بين الأمرين، فهما متناقضان، لأن الحقيقة هي استعمال اللفظ فيما وضع له بمجرد إطلاقه، والمجاز استعمال اللفظ فيما لم يوضع له، ويحتاج إلى قرينة تدل عليه، فلا يكون مطلقًا ومقيدًا ودالًّا على الأمرين في حالة واحدة، ولذلك قال الحنفية: إذا أوصى لأولاده، وله أولاد، فيشمل الأولاد من الصلب حصرًا؛ لأنه الحقيقة، ولا يشمل أولاد الأولاد؛ لأنه مجاز إلا إذا لم يكن له أولاد، فتصرف الوصية لأولاد الأولاد حملًا للفظ على الاستعمال حتى لا يهمل (2).
عموم المجاز:
إذا استعمل المجاز في الكلام هل يعم الأفراد الذين يدخلون تحته أم لا؟ اختلف العلماء فيه على قولين:
(1) فواتح الرحموت (1/ 216)، الفصول (1/ 46، 47، 48)، جمع الجوامع مع البناني (1/ 298)، العضد على ابن الحاجب (2/ 113)، المسودة ص 166، العدة (2/ 702)، شرح الكوكب المنير (3/ 195) وما بعدها، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 305)، أصول الأحكام ص 304.
(2)
كشف الأسرار (2/ 45)، فواتح الرحموت (1/ 216)، شرح الكوكب المنير (3/ 195) أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 305)، أصول الأحكام ص 305.
القول الأول: إن المجاز لا عموم له؛ لأنه لا يحمل اللفظ على المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، فهو من باب الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ولا يتوسع بها، وهو قول بعض العلماء من الشافعية (1).
القول الثاني: إن المجاز له عموم إذا توفر الموجب لعمومه كالألف واللام، والإضافة، والوقوع فيه سياق النفي، كما سيرد في صيغ العموم؛ لأن المجاز نوع من الكلام، فكان كالحقيقة في إرادة العموم، ولوقوع المقتضي لذلك، وعدم المانع منه لغة وشرعًا، وهو قول الجمهور (2).
وترتب على ذلك اختلاف في الأحكام، ففي الحديث "لا تبيعوا الصاع بالصاعين"(3)، فالصاع مجاز في المكيلات، أي لا تبيعوا ملء الصاع بملء الصاعين.
فعلى القول الأول فإن النهي خاص بالمطعومات؛ لأن النهي عن الزيادة فيها ثابت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء"(4).
وعلى القول الثاني فإن النهي عام؛ لأن لفظ "الصاع" معرف بلام الجنس، فيستغرق جميع ما يحل به من المطعوم وغيره، وبالتالي يجري الربا في غير المطعوم لعموم المجاز.
ومن حلف ألا يضع قدمه في دار فلان، فهو مجاز للدخول، ولا يراد مجرد وضع القدم، فيشمل المجاز الدخول ماشيًا، أو منتعلًا، أو راكبًا (5).
(1) كشف الأسرار (2/ 40)، فواتح الرحموت (1/ 215)، أصول السرخسي (1/ 175)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 301)، الدلالات ص 202.
(2)
كشف الأسرار (2/ 41)، فواتح الرحموت (1/ 215)، أصول السرخسي (1/ 174)، أصول الأحكام ص 306، الدلالات ص 202.
(3)
هذا الحديث رواه البيهقي (5/ 315) وانظر: جامع الأصول (1/ 454).
(4)
هذا الحديث رواه البيهقي (5/ 315) وانظر: جامع الأصول (1/ 470).
(5)
المراجع السابقة هامش 3 من الصفحة السابقة.