الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السابع النسخ
مقدمة:
قبل التحدث في النسخ لا بدّ من الإشارة إلى بعض الأمور المهمة التي تتعلق به، وهي:
1 -
إن بحث النسخ يدخل في قسم الدَّلالات، أو دلالات الألفاظ، أو تفسير النصوص، التي تتعلق بمباحث الكتاب والسنة لبيان الأحكام منها، ويسمى النسخ بيان التبديل، وفيه جمع بين النَّصين المتعارضين، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، ولذلك اعتبره الشافعي رحمه اللَّه تعالى من بيان الأحكام، وكان أول من حرّر الكلام فيه في كتابه القيم المشهور "الرسالة" في الأصول.
2 -
إن بحث النسخ -اليوم- هو بحث تاريخي بحت؛ لأنه يتعلق بزمن النبوة حصرًا، ووقت نزول الوحي الإلهي، ثم انتهى النسخ في الشريعة بانقطاع الوحي، وانتهاء النبوة، واستقرت الأحكام الواردة في القرآن والسنة، وأصبحت مُحْكَمة، ولا يمكن النسخ بعد ذلك مطلقًا.
3 -
إن فائدة دراسة النسخ بعد عصر النبوة تنحصر في أمرين:
أ- إن معرفة الناسخ والمنسوخ شرط من شروط الاجتهاد حتى يعرف المجتهد الآيات والأحاديث المنسوخة التي انتهى العمل بها، وألغيت الأحكام الواردة فيها، وأنها تذكر لمجرد العلم، وللتحرز من الاعتماد عليها.
ب- إن المبادئ الأساسية الشرعية للنسخ مقررة في جميع الأنظمة والقوانين التي يصدرها الإمام بمقتضى السياسة الشرعية، وبما يعتمد على المصالح، والأعراف، وما تصدره الدول اليوم من قرارات ومراسيم وأنظمة وقوانين، فإنها تخضع للنسخ والإلغاء والإبطال بصدور ما يخالفها.
تعريف النسخ:
النسخ لغة: له معنيان:
الأول: النسخ: هو النقل والتحويل، كقوله: نسخت الكتاب، أي: نقلته، ومنه قوله تعالى:{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، [الجاثية: 29]، ومنه التناسخ في المواريث، فإنه نقل الميراث من وارث إلى آخر.
والثاني: النسخ: هو الإبطال والإزالة، ومنه: نَسخَتِ الشمس الظل، ونسخت الريح آثار القدم، أي: أزالته ورفعته، ومنه تناسخ القرون والأزمنة، أي: إزالتها ورفعها، وأكثر العلماء على أن النسخ حقيقة في الإزالة والإبطال، مجاز في النقل والتحويل، وقيل غير ذلك (1).
والنسخ في الاصطلاح له تعريفات كثيرة، أشهرها: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (2).
والمراد ارتفاع دوام الحكم، أي: ارتفاع تعلق الحكم بفعل المكلف، بأن يرتفع أمده المحدد له، لا رفعه حقيقة، لأنه أمر واقع، وتقييده بالشرعي ليخرج الحكم العقلي كالمباح الثابت بالبراءة الأصلية عند من يقول به، فإنَّ رفع الحكم العقلي وما ثبت بالبراءة الأصلية لا يسمى نسخًا، بل هو ابتداء حكم شرعي، ولا يكون النسخ إلا بدليل شرعي، وهو خطاب الشارع، فلا يحصل النسخ بالعقل وكلام البشر، وإذا انتهى الحكم الشرعي بطريق عقلي كالموت، والغفلة، والعجز، فلا يكون نسخًا، وتقييده بالمتأخر؛ ليخرج المقترن بالحكم كالاستثناء، والتقييد بالشرط والغاية، فلا يسمى نسخًا، بل هو بيان لإتمام
(1) المعجم الوسيط (2/ 917) مادة: نسخ، القاموس المحيط، مادة: نسخ، المصباح المنير (2/ 827) مادة: نسخ.
(2)
هذا تعريف ابن الحاجب وابن النجار (العضد على ابن الحاجب 2/ 185، شرح الكوكب المنير 3/ 526) وانظر: المستصفى (1/ 107)، المعتمد (1/ 396)، الإحكام للآمدي (3/ 104)، المحصول (3/ 423)، فواتح الرحموت (2/ 53)، أصول السرخسي (2/ 54)، الفصول (2/ 197)، كشف الأسرار (3/ 155)، شرح تنقيح الفصول ص 301، العدة (3/ 778)، المسودة ص 195، روضة الناظر ص 69، نهاية السول (2/ 162)، البحر المحيط (4/ 63)، إرشاد الفحول (2/ 533) ط دار السلام، محققة، الحاوي للمادوردي (20/ 130)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 931).