الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول الاجتهاد
نبذة تاريخية عن الاجتهاد:
بدأ الاجتهاد الجزئي في العهد النبوي، سواء كان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم على قول، كما سنرى، أم كان من الصحابة الذين كانوا يعْرِضون اجتهاداتهم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فيقر الصواب الذي يتفق مع الشرع، وينكر الخطأ الذي يخالف الدِّين.
ثم مر الاجتهاد في ثلاثة أطوار رئيسة، وهي:
الطور الأول: بدأ الاجتهاد رويدًا رويدًا بعد وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وانتقاله للرفيق الأعلى، فتصدّى كبار الصحابة وعلماؤهم، وفقاؤهم وقضاتهم وولاتهم للاجتهاد، لبيان حكم اللَّه تعالى فيما يستجد من أحداث، مما ليس له حكم في الكتاب والسنة، وأدَّوْا وظيفتهم كاملة، وغَطَّوا أحكام ما وقع في عصرهم، وإن كان قليلًا إلى حد ما.
ولما انتشر الإسلام، وزادت الفتوحات، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، وامتدت الدولة الإسلامية إلى عواصم الأمم الأخرى، وبلاد الحضارات السائدة، توسع الصحابة ثم التابعون غب الاجتهاد، وادهرت الركة الفقهية، وبرز الفقهاء المجتهدون من التابعين إلى أن بلغوا الذروة والقمة في القرن الثاني الهجري (1).
(1) قال أبو بكر الجصاص رحمه اللَّه تعالى: "لا خلاف بين الصدر الأول والتابعين وأتباعهم في إجازة الاجتهاد والقياس على النظائر في أحكام الحوادث، وما نعلم أحدًا نفاه وحظره من أهل هذه الأعصار المتقدمة، إلى أن نشأ قوم ذوو جهل بالفقه وأصوله، لا معرفة لهم بطريقة السلف، ولا توقي للإقدام على الجهالة واتباع الأهواء البشعة التي خالفوا فيها الصحابة ومن بعدهم من أخلافهم" الفصول (4/ 23)، والمراجع المشار إليها في هامشه، وانظر كتب تاريخ التشريع الإسلامي، والمداخل للفقه الإسلامي.
وسار الاجتهاد بعد ذلك على وتيرة واحدة، وزخم كبير طوال قرنين تقريبًا، وبلغ الفقه الإسلامي أوجَهُ، ونما، وازدهر، واستجاب لحاجات الناس ومقتضيات تطور الحياة، وأنتج ثروة فقهية زاهرة، مع بعض الخمول أحيانًا، وتراجع بعض الفقهاء والعلماء عن مسابقة الركب، واللحاق بالمقدمة، وفي ذات الوقت بدأ يظهر التقليد للأئمة والعلماء والمذاهب في مختلف الأصقاع والبلدان (1)، ولكن كان أكثر العلماء والفقهاء مجتهدين، حتى المحدثون منهم، كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، وجميع القضاة، ومعظم الولاة والخلفاء، وأكثرهم يجتهد ويستنبط الأحكام من المصادر المختلفة بطرق الاجتهاد السليمة، وكانت جماهير الأمة يستفتونهم، ويأخذون عنهم، ويتبعون آراءهم وأحكامهم.
الطور الثاني: وذلك ابتداء من منتصف القرن الرابع الهجري حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، أي: حوالي ألف سنة، وبدأ الاجتهاد في أول هذا الطور يتراجع، ويتجزأ، ويضطرب، ويتخلخل، ثم بدأ يتسرب إليه أنصاف العلماء ومن دونهم الذين بدؤوا يتطاولون على الاجتهاد، ويعبث بعضهم فيه، ويخرج على الأمة والناس بالأوهام والسخافات، وما يتناقض مع الشرع، ويتعارض مع قواعد أصول الفقه، ويتجاوز ضوابط الاجتهاد، وضعفت الأمة، وبدأ الانحطاط في المجتمع والدولة، مما دعا العلماء الغيورين على الدِّين أن يتصدَّوْا لهذه الآراء الواهية، وأن يقفوا أمام أدعياء العلم، وأن يعلنوا إغلاق باب الاجتهاد ليوصدوا هذا الباب أمام من ليس أهلًا للاجتهاد والنظر، ويقطعوا الطريق أمام أصحاب الأهواء من مختلف الفرق والمذاهب، وانحصر الاجتهاد غالبًا في مجتهد المذهب، ومجتهد المسائل، ومجتهد التخريج، ومجتهد الترجيح
…
، وأصبح أكثر الفقهاء والعلماء من هذه الطبقات، وإن ظهر لبعضهم اجتهادات قيمة، وآراء سديدة، وبزغ بينهم مجتهدون، ولكنهم قلة.
(1) نقل الزركشي عن ابن حزم أنه قال: "والتقليد إنما ابتُدئ به بعد المائة والأربعين من الهجرة، ولم يكن في الإسلام قبل ذلك مسلم واحد فصاعدًا يقلد عالمًا بعينه لا يخالفه" البحر المحيط (6/ 292).
ونتج عن ذلك جمود الفقه الإسلامي، وركود الحركة الفقهية، وطغيان التقليد، والاقتصار على المتون، واختصار الكتب، وتدوين الشروح والحواشي والموسوعات المذهبية، أو المقارنة بين المذاهب، والتزام جماهير الأمة اتباع المذاهب المتعددة التي استقرت وشاعت، ثم اختفى بعضها وانقرض كمذهب الأوزاعي، والمذهب الظاهري، وسيطرت المذاهب الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي على معظم أرجاء البلاد الإسلامية، وبقي إلى جانبهم المذهب الزيدي، والإمامي الجعفري، والإباضي.
ونتج عن هذه الحالة -مع إقفال باب الاجتهاد- البقاء على وحدة الأمة الإسلامية، والحفاظ على الثروة الفقهية الموروثة من الطور الأول، وفي ذات الوقت وقف الفقه عن مجاراة الحياة، ووقف الفقهاء والعلماء وراء الراكب، وأحس الناس بعجز العلماء، وقصور الأحكام، وخاصة مع التعصب المذهبي، والالتزام بمذهب دون غيره، ورافق ذلك الضعف السياسي، وتسلط الدول الأخرى على البلاد الإسلامية شيئًا فشيئًا، فتحلّل الناس والحكام من الأحكام الشرعية جزئيًّا، والتمسوا الحلول المستوردة من القوانين والأنظمة الأجنبية، إلى أن غابت معظم الأحكام الشرعية عن معظم البلاد الإسلامية، وتسرب الغزو الفكري، والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الغربية، حتى وصل الأمر إلى التشكيك بالإسلام، وفصل الدِّين والشرع عن الدولة والمجتمع، والهجوم على القرآن والسنة، والطعن أو الغمز أو اللمز صراحة أو ضمنًا بالفقه الإسلامي، وانتهى معظم المسلمين إلى الحضيض، مع تسرب ومضات خاطفة لظهور بعض المجتهد الذين يصرون على استمرار الاجتهاد (1).
الطور الثالث: أحسَّ العلماء الغيورون بالوضع الراهن السيِّء، وتلمسوا الحلول لإنقاذ الأمة، وأيقنوا أن فتح باب الاجتهاد هو أحد الوسائل المهمة
(1) أكد السيوطي رحمه اللَّه تعالى بقاء الاجتهاد واستمراره مع تفاوت حالته، وصنَّفَ كتابه القيم ليدل على ذلك بعنوانه "الردّ على مَنْ أخلدَ إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فَرْض" وهو مطوع عدة مرات.
لحل المشكلة، وعادوا إلى إحياء قواعد أصول الفقه، والاجتهاد في القضايا المعاصرة والمستجدة، وفتحت الجامعات الإسلامية، وكليات الشريعة، وظهرت كوكبة من العلماء في القرن الرابع عشر تدعو للصحوة الإسلامية والتشريعية، والعودة إلى الينابيع، وإكمال العمل الذي كان في العهود السابقة للسلف الصالح، وانشئت المجامع الفقهية، ومجمع البحوث، والمؤتمرات والندوات التي ضمت في جنباتها كبار علماء العصر الذين أدلَوْا بدلوهم، وأثبتوا أن فضل اللَّه لا ينقطع؛ ولا ينحصر بجيل وأفراد، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، لكن ولجه من هو له أهل، واندس فيه من ليس أهلًا له، بل هجم عليه غير المختصين أصلًا بالدين والشريعة، ثم بدأ الأمر يتمحص لمن يستحق أن يكون أهلًا للاجتهاد بجدارة، حتى قال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى:"ومن حصر فضل اللَّه على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على ما تقدم عصره، فقد تجرأ على اللَّه عز وجل، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبّدهم اللَّه بالكتاب والسنة"(1).
وعادت دراسة أصول الفقه ليتم تطبيقها، ومنها أهلية الاجتهاد وشروطه وضوابطه، ليمارسها العلماء، ويعملوا بموجبها، ويؤكدوا صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، وأن كل واقعة في الكون تتصل بالإنسان لها حكم شرعي يجب على العلماء والفقهاء بيانه.
وهذا ما سنعرضه في هذا الفصل عن الاجتهاد وأحكامه، وذلك في المباحث التالية.
(1) إرشاد الفحول ص 254، وانظر: أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1033)، أصول الأحكام ص 362، وسيرد مزيد من البيان، مع المصادر والمراجع إن شاء اللَّه تعالى.