الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأصح والغزالي والسبكي والشاطبي وغيرهم: يمتنع تتبع الرخص في المذاهب؛ لأنه اتباع لأهواء النفس، وميل للهوى، وقال ابن عبد البر وابن حزم: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط التكاليف، وقال الحنفية في الراجح، وأكثر أصحاب الشافعي وبعض المالكية كالقرافي: يجوز تتبع رخص المذاهب؛ لعدم وجود مانع في الشرع، وأنه سلوك للأخف، لكن القرافي قيّد ذلك بألا يترتب عليه باطل عند جميع من قلدهم، وقيد غيره ذلك بألا يكون الشخص قد باشر التصرف وفق القول الأول.
وقال بعض العلماء بفسق من تتبع الرخص، وقال آخرون: لا يفسق.
وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد (الخليفة) فرفع إليَّ كتابًا لأنظر فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق .. ، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بحرق ذلك الكتاب (1).
والراجح أنه لا مانع من الأخذ بالرخص من المذاهب عند الحاجة للفرد، أو للجماعة في التشريع وعند وضع الأنظمة من اللجان المختصة، أما التزام ذلك وتتبعه للفرد فإنّه يدل على رقة الدِّين، وضعف اليقين، وقلة الورع، ويخشى على صاحبه من التفلت والتهرب من أحكام الشرع وتكاليفه، وخاصة في حقوق العباد والمعاملات والمحظورات.
خامسًا: دعوى الإلهام:
يزعم بعض الناس أن العلم إلهام من اللَّه تعالى، ويزعمون أن اللَّه تعالى يلهمهم، ويلقي في قلوبهم أحكامًا ليعملوا بها، ويفتوا الناس بها.
(1) روضة الطالبين (11/ 108)، المسودة ص 218، مختصر البعلي ص 168، أعلام الموقعين (4/ 283)، المستصفى (2/ 391)، الموافقات (4/ 93، 96)، إرشاد الفحول ص 272، المدخل إلى مذهب أحمد ص 195، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1152)، أصول الأحكام ص 382، جمع الجوامع والبناني عليه (2/ 400)، الموافقات (4/ 131)، وما بعدها، تيسير التحرير (4/ 254)، فواتح الرحموت (2/ 406)، شرح الكوكب المنير (4/ 577)، البحر المحيط (6/ 325).
وهذه دعوى باطلة، وحذّر العلماء منها؛ لأنها سبيل لإلغاء الأحكام الثابتة بالنصوص، أو الزيادة عليها، أو فتح للتهرب من الشريعة والزيادة عليها (1).
قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "على العالم ألا يقول إلا من جهة العلم، وجهةُ العلم: الخبر اللازم بالقياس بالدلائل على الصواب، حتى لا يكون صاحب العلم أبدًا متبعًا خبرًا وطالب خبر بالقياس، كما يكون متَّبع البيت بالعيان، وطالب قصده بالاستدلال بالأعلام مجتهدًا، ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس، كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم لازمًا".
ثم قال: "ولم يجعل اللَّه لأحد بعد رسول اللَّه أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بَعْدُ الكتابُ والسنة والإجماع والآثار، وما وصفتُ من القياس عليها، ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب اللَّه
…
" (2).
ونقل الزركشي عن القفال رحمهما اللَّه تعالى قوله: "ولو ثبتت العلوم بالإلهام، لم يكن للنظر معنى، ولم يكن في شيء من العالم دلالة ولا عبرة"(3).
وقد يكون الإلهام مجرد إيحاء للقيام بعمل أو الامتناع عنه، وهذا لا غبار عليه، ويتقيد بقول بعض الصوفية:"ما وقع في القلب من عمل الخير فهو إلهام، أو الشر فهو وسواس"، فهنا يعلم الشخص الخير أو الشر من المصادر والأدلة، ثم يقع الخاطر في القلب بفعل الخير، فهذا إلهام محمود، وإن وقع بفعل الشر فهو من الشيطان، والوسواس، وهو حرام (4).
(1) الفصول في الأصول (3/ 382).
(2)
الرسالة ص 257 - 258 فقرة 1466 - 1469 تحقيق الدكتور عبد الفتاح كبارة، طبع دار النفائس، بيروت - (1419 هـ 1999 م).
(3)
البحر المحيط (6/ 103).
(4)
البحر المحيط (6/ 103).