الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في اعتبارها جنحة أم جناية، وفي انطباق أحد اللفظين عليها لتطبيق أحكامه فيها، ومن ذلك ما جاء في تعريف السرقة في قانون العقوبات المصري بأنها "اختلاس المنقول المملوك للغير" فوقع الاشتباه في اعتبار التيار الكهربائي منقولًا، فهذا خفاء حتى بينته محكمة النقض، فاعتبرته منقولًا، وأن السرقة تتناول اختلاس الكهرباء، وتدارك ذلك القانون العراقي فأضاف في نصه: "ويعتبر منقولًا لتطبيق أحكام السرقة
…
القوى الكهربائية والمائية وكل طاقة أو قوة محرزة أخرى" (1).
حكم الخفي:
هو وجوب النظر على المجتهد والقاضي والبحث لإزالة الخفاء، والتأمل في العارض الذي سبَّب الخفاء، وهذا ما تختلف فيه الأنظار، فإن ترجح أن اللفظ يتناول هذه المسألة، لزيادة في معناه، وبما يتفق مع مقاصد الشريعة، أعطاه المجتهد حكمه، وطبقه عليه كالنّشال بالنسبة للسارق، وإن ترجح نقصان المسألة عن معنى اللفظ الشرعي لم يُلحقه بظاهر اللفظ، ولم يطبِّق عليه حكمه، وكان له حكم آخر (2).
2 - المُشْكل:
هو اللفظ الذي خفي معناه، ولا يدل بصيغته على المراد منه، ولا بدَّ من قرينة تبين المراد منه، فمنشأ الإشكال ذات الصيغة واللفظ، ولذلك فإنه لا يدرك معناه إلا بالتأمل وبقرينة خارجية تبين المراد منه، وتكون هذه القرينة غالبًا في متناول البحث (3).
(1) علم أصول الفقه ص 171، أصول الأحكام ص 244، تفسير النصوص (1/ 251)، وانظر أمثلة قانونية أخرى في: تفسير النصوص (1/ 250).
(2)
علم أصول الفقه ص 171، تفسير النصوص (1/ 249)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 338)، أصول الأحكام ص 244.
(3)
أصول السرخسي (1/ 168)، كشف الأسرار (1/ 52)، علم أصول الفقه ص 171، تفسير النصوص (1/ 253)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلى (1/ 338)، أصول الأحكام ص 244، والمشكل يقابل النَّص في مراتب الوضوح.
ويختلف المشكل عن الخفي أن الإبهام في المشكل منشؤه من نفس اللفظ، ولا يمكن فهم معناه المراد إلا بقرينة، أما الخفي فإن الإبهام فيه من طريق خارج عن اللفظ، ويعرف المراد منه من غير قرينة، فالمشكل أشد إبهامًا من الخفي، لكن يتفق المشكل والخفي في أن كلًّا منهما يحتاج إلى بحث وتأمل.
ومن أمثلة المشْكل: اللفظ المشترك فإنه موضوع لغة -كما سبق- لأكثر من معنى واحد، فإن ورد في التشريع بدون دلالة على أحد المعاني التي وضع لها، كان ذلك مشكلًا.
مثاله: لفظ "قروء" في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فإن لفظ "القرء" مشترك في اللغة بين الطهر والحيض، فوقع الإبهام والإشكال في تحديد المراد منه في الآية، لانقضاء عدة المطلقة، وهل تناقضي بثلاثة أطهار أم بثلاث حيضات؟ فاقتضى الأمر البحث عن قرينة خارجية تعيّن الحكم، أو عن دليل يرجح أحد المعنيين؛ لأن النتيجة تختلف جزئيًّا باعتبار الطهر أو الحيض.
وبعد البحث والتأمل في القرائن والأدلة الأخرى رجح المالكية والشافعية أن يكون القرء طهرًا بقرينة تأنيث العدد، وهو ثلاثة، فيكون المعدود مذكرًا، وهو الطهر، ولأن تفسير القرء بالطهر أقرب إلى الاشتقاق؛ لأن معناه الجمع، وفي الطهر يتجمع الدم في الرحم، أما في الحيض فيلقى الدم من الرحم، ولأن اعتبار الأطهار يجعل العدة على المرأة أقل مدة، فهو أخف، وهو يتفق مع مقاصد الشريعة.
ورجح الحنفية والحنابلة أن القرء هو الحيض، لحديث:"عِدَّةُ الأمةِ حَيْضتان"(1)، فنصَّ على الحيض، ولا فرق بين الأمة والحرة فيما تقع به العدة، ولحديث:"المُسْتَحاضة تدَعُ الصلاةَ أيامَ أقرائها"(2) أي أيام حيضها،
(1) هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا.
(2)
هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن جذ عدي بن ثابت، وهو حديث ضعيف، ورواه الطبراني عن عائشة وسودة رضي الله عنهما، ورواه الدارقطني عن أم سلمة رضي الله عنها. =
فالقرء هو الحيض، ولأن العدة شرعت لتعرف براءة الرحم، وذلك يعرف بالحيض (1).
ومثاله: عبارة "الذي بيده عقدة النكاح" في قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] فهل المراد من الذي بيده عقدة النكاح الزوج ليعفو عن حصته، أو الولي ليعفو عن حصة المطلَّقة؟
وبعد التأمل والبحث والاجتهاد رأى كثير من الصحابة والتابعين وجمهور الأئمة أن المراد هو الزوج (أي الرجل أو المرأة)؛ لأن كلًّا منهما صاحب حق في نصف المهر، والعفو لا يتصور إلا ممن له الحق في المهر لغيره، ويصبح المعنى إلا أن يعفو الرجل المطلِّق عن حقه وهو نصف المهر، فيكون المهر كله للمرأة، وإما أن تعفو المرأة عن حقها ولا تأخذ شيئًا من المهر.
وقال المالكية: المراد هو الولي، ويثبت الحق للمرأة البالغة العاقلة أن تعفو عن حصتها، وإن كانت قاصرة قام الولي مقامها في ذلك، وقيدوا كلمة "يعفون" للمرأة إن كانت أهلًا، وإلا فهو الولي (2).
ومن أمثلة المشكل في القانون: لفظ "الليل" الذي اعتبره القانون المصري ظرفًا مشددًا لعقوبة السرقة، كما سبق، وهل يراد منه معناه الفلكي من غروب الشمس إلى شروقها، أم الفترة التي يتحقق فيها الظلام بالفعل؟ واختلف القضاء في ذلك، فذهبت محكمة الدرجة الأولى إلى المعنى الثاني، فقامت محكمة النقض برد الحكم، وفسرت المراد بالمعنى الأول، وهو الفترة الزمنية المحصورة من الغروب إلى الشروق، ثم نص القانون العراقي على ما قررته محكمة النقض (3).
(1) علم أصول الفقه ص 172، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 339)، أصول الأحكام ص 245، وانظر أمثلة أخرى في: تفسير النصوص (1/ 256 - 272).
(2)
تفسير النصوص (1/ 263)، أصول الفقه الإسلامي (1/ 340).
(3)
علم أصول الفقه ص 165 - 166، تفسير النصوص (1/ 274)، أصول الأحكام ص 245، وانظر أمثلة قانونية أخرى في: تفسير النصوص (1/ 275). =