الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المُرضَعِ التَّزويجُ من مرضعتِهِ؛ لأنَّها صارت أمَّه بالرَّضاعةِ، وكذلك يَحْرُمُ عليه التَّزويجُ بكلِّ من انتسب إليها بنسبٍ أو رَضاعٍ، كأمِّها وبنتِها وأختِها.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّزْوِيجُ إِلَى الْمُرْضَعِ وَوَلَدِهِ دُونَ مَنْ كَانَ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَعْلَى طَبَقَةً مِنْهُ» ، يَحْرُمُ على المرضِعةِ التَّزويجُ بالمُرضَعِ وولدِه وإن سَفَلَ، دونَ من كانَ في درجةِ الرَّضيعِ، كإخوتِه الَّذينَ لم يَرْضَعوا معه، وكذلك من كانَ أعلى طبقةً من الرَّضيعِ، كأبيه وعمِّه وجَدِّه.
«فَصْلٌ»
في أحكامِ نفقةِ الأقاربِ
النَّفقةُ في اللُّغةِ: مشتقَّةٌ مِن النُّفُوق: وهو الهلاك، يقال نفقت الدابة نفوقًا إذا هَلَكَت، وسُمِّيَتْ النفقة بذلك لما فيها من صرفِ المالِ وإهلاكِه.
وفي الاصطلاحِ: كفايةُ مَن يمونُه بالمعروفِ قُوتًا، وكسوةً، ومسكنًا، وتوابعُها.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَنَفَقَةُ الْعَمُودَيْنِ مِنَ الْأَهْلِ وَاجِبَةٌ لِلْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ» ، المرادُ بالعمودينِ: الأصولُ والفروعُ. والأصولُ هم الوالِدونَ من الآباءِ والأمَّهاتِ والأجدادِ والجَدَّاتِ، والفروعُ هم المولودون: من البنينَ والبناتِ وبَنِي البنينَ وبَنِي البناتِ.
قال أبو شجاع رحمه الله: «فَأَمَّا الْوَالِدُونَ فَتَجِبُ نَفَقَتُهُمْ بِشَرْطَيْنِ: الْفَقْرُ وَالزَّمَانَةُ، أَوِ الْفَقْرُ وَالْجُنُونُ» ، تَجِبُ نفقةُ الوالِدِينَ وإن عَلَوْا على المولودِينَ وإن سَفَلُوا بأحدِ شَرطينِ:
الأوَّلُ: الفقرُ والزَّمانةُ، وهي الآفةُ والعاهةُ المستمرَّةُ.
والثَّاني: الفقرُ والجنونُ، وهو فقدُ التَّمييزِ؛ سواءٌ كانَ بشكلٍ جزئيٍّ أو كلِّيٍّ.
فلا تَجِبُ النَّفقةُ للأغنياءِ، ولا للفقراءِ الأصحَّاءِ العقلاءِ إن كانوا ذوي كسْبٍ؛ لأنَّ القدرةَ بالكسبِ كالقدرةِ بالمالِ، فإن لم يكونوا ذوي كسبٍ وجبت نَفَقَتُهم على الفرعِ؛ لأنَّ الفرعَ مأمورٌ بمعاشرتِهم بالمعروفِ، قال تعالى:{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]، وليس من المعروفِ تكليفُهما الكسبَ مع كِبَرِ السِّنِّ.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَأَمَّا الْمَوْلُودُونَ فَتَجِبُ نَفَقَتُهُمْ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: الْفَقْرُ وَالصِّغَرُ، أَوِ الْفَقْرُ وَالزَّمَانَةُ، أَوِ الْفَقْرُ والْجُنُونُ» ، تجبُ نفقةُ المَوْلُودِينَ وإن سَفَلوا على الوالِدِينَ وإن عَلَوْا بواحدٍ من ثلاثةِ شَرائطَ:
الأوَّلُ: الفقرُ والصِّغَرُ؛ لقولِه تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، ولقولِه تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6].
وقالت عائشةُ رضي الله عنها: إنَّ هندَ بنتَ عُتبةَ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفيانَ رجلٌ شحيحٌ وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلَّا ما أخذتُ منه وهو لا يَعْلَمُ، فقالَ:«خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ»
(1)
.
قال الشَّافعيُّ رحمه الله: وفي ذلك «بيانُ أنَّ على الأبِ أن يَقومَ بالمؤنةِ التي في صلاحِ صِغارِ ولدِه من رَضاعٍ ونفقةٍ وكِسوةٍ
(1)
رواه البخاري (5049)، ومسلم (1714).
وخدمةٍ»
(1)
.
والثَّاني والثَّالثُ: الفقرُ والزَّمانةُ، والفقرُ والجنونُ؛ لتحقُّقِ احتياجِهِم، فلا تجبُ للبالغينَ الأصحَّاءِ العقلاءِ إن كانوا ذوي كسبٍ.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ وَالْبَهَائِهِم وَاجِبَةٌ، وَلَا يُكَلَّفُونَ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ» ، من مَلَكَ عبدًا أو أمَةً، أو بهيمةً وَجَبَ عليه نفقتُه؛ فيطعِمُ رقيقَه من غالبِ قوتِ أهلِ البلدِ، ومِن غالبِ أُدْمِهِم بقدرِ الكفايةِ، ويكسوه من غالبِ كسوتِهم، ولا يُكَلَّفونَ من العملِ ما لا يُطيقونَ، فإذا استعملَ المالكُ رقيقَه نهارًا أراحَه ليلًا وعَكْسُه، ويريحُه صيفًا وقتَ القيلولةِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:«لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ»
(2)
.
وكذلك البهائمُ والدَّوابُّ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ حائطًا لرَجلٍ من الأنصارِ فإذا جملٌ، فلما رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ وذَرَفَت عيناهُ، فأتاه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فمَسَحَ ذِفْرَاهُ فسكتَ، فقالَ:«لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟» ، فجاء فَتًى مِن الأنصارِ، فقالَ: لي يا رسولَ اللهِ، فقالَ:«أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ»
(3)
.
(1)
«الأم» (5/ 94).
(2)
رواه مسلم (1662).
(3)
رواه أحمد (1745)، وأبو داود (2549)، والحاكم (2485)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي، وقال الخطَّابيُّ رحمه الله في «معالم السُّنن» (2/ 248): «الذفرى من البعيرِ مؤخَّرُ رأسِه، وهو الموضعُ الذي يَعْرَقُ من قفاه.
وقوله: (تُدْئِبُهُ)؛ يريدُ تكدُّه وتُتْعِبُه».
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْمُمَكِّنَةِ مِنْ نَفْسِهَا وَاجِبَةٌ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا فَمُدَّانِ مِنْ غَالِبِ قُوتِهَا، وَيَجِبُ مِنَ الْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَمُدٌّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، وَمَا يَأْتَدِمُ بِهِ الْمُعْسِرُونَ وَيَكْسُونَهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَمُدٌّ وَنِصْفٌ، وَمِنَ الْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ الْوَسَطُ» ، نفقةُ الزَّوجةِ الممكِّنةِ لزوجِها من نفْسِها واجبةٌ عليه بِحَسَبِ حالِه، قال تعالى:{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].
فإن كانَ الزَّوجُ موسِرًا فيجبُ عليه للزَّوجةِ مُدَّانِ في كلِّ يومٍ وليلةٍ من غالبِ قوتِ البلدِ، ويجبُ لها من الأُدْمِ والكُسوةِ ما جرت به العادةُ في كلٍّ منهما.
وإن كانَ الزَّوجُ معسِرًا فيجبُ عليه للزَّوجةِ مُدٌّ في كلِّ يومٍ وليلةٍ من غالبِ قوتِ البلدِ، وما يأتدمُ به المعسِرونَ ممَّا جرت به عادتُهم من الأُدْمِ، وكذلك الكُسوةِ.
وإن كانَ الزَّوجُ متوسطًا فيجبُ عليه للزَّوجةِ مُدٌّ ونصفٌ في كلِّ يومٍ وليلةٍ من غالبِ قوتِ البلدِ، ويجبُ لها من الأُدْمِ الوسطُ، ومن الكُسوةِ الوسطُ كذلك، وهو ما بينَ ما يجبُ على الموسِرِ والمعسِرِ.
ودليلُ هذه المقاديرِ ما ذكَرَه الشَّافعيُّ رحمه الله؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَفَعَ إلى الذي أصابَ أهلَه في شهرِ رمضانَ بعَرَقٍ فيه خمسةَ عشرَ صاعًا لستِّينَ مسكينًا، لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ، وجَعَلَ في فديةِ الكفَّارةِ للأذى مُدَّيْنِ لكلِّ مسكينٍ، فأقلُّ القوتِ مُدٌّ، وأوسعُه مُدَّانِ، والوسطُ بينهما مُدٌّ ونصفٌ
(1)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا فَعَلَيْهِ إِخْدَامُهَا» ، إن كانت الزَّوجةُ ممن يُخْدَمُ مِثْلُها بأن كانت تُخْدَمُ في بيتِ أبيها فعليه إخدامُها؛ لأنَّه من المعاشَرةِ بالمعروفِ.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَتِهَا فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْسَرَ بِالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ» ، إن أَعْسَرَ الزَّوجُ بنفقةِ زوجتِه فهي بالخِيارِ؛ إن شاءت صَبَرَتْ وأَنْفَقَتْ من مالِها، أو اقترضت وأَنْفَقَتْ على نفْسِها، ونفقتُها في ذمَّتِه إلى أن يوسِرَ، وإن شاءت فَسَخَتِ النِّكاحَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في الرَّجلِ لا يجدُ ما يُنفقُ على امرأتِه:«يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا»
(2)
.
وكذلك يَثْبُتُ لها خِيارُ الفسخِ إن أَعْسَرَ بالصَّداقِ قبلَ الدُّخولِ للعجزِ عن تسليمِ العِوَضِ مع بقاءِ المُعَوَّضِ، فأَشْبهَ ما إذا لم يَقْبِضِ البائعُ الثَّمَنَ حتَّى حُجِرَ على المشتري بالفَلَسِ والمبيعُ باقٍ بعينِه، ولا تَفْسَخُ بعدَهُ لتلفِ المُعَوَّضِ وصَيْرورةِ العِوَضِ دَينًا في الذِّمَّةِ.
(1)
«الأم» (5/ 96).
(2)
رواه الدَّارقطني (3784).