الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَادْعُوا اللهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا»
(1)
.
وقال سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ رضي الله عنه: «صلَّى بنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في كسوفٍ لا نَسْمَعُ له صوتًا»
(2)
.
وقالت عائشةُ رضي الله عنها: «جَهَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في صلاةِ الخسوفِ بقراءتِه»
(3)
.
فَحُمِلَ الأوَّلُ على صلاةِ كسوفِ الشَّمسِ؛ لأنَّها نهاريَّةٌ، والثَّاني على صلاةِ خسوفِ القمرِ لأنَّها ليليَّةٌ.
«فَصْلٌ»
في صلاةِ الاستسقاء
الاستسقاءُ في اللُّغةِ: طلبُ السُّقْيَا، أيْ طلبُ إنزالِ الغيثِ.
وفي الاصطلاحِ: طلبُ إنزالِ المطرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى بكيفيَّةٍ مخصوصةٍ عندَ الحاجَةِ إليه.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ مَسْنُونَةٌ، فَيَأْمُرُهُمُ الْإِمَامُ بِالتَّوْبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَمُصَالَحَةِ الْأَعْدَاءِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ، وَاسْتِكَانَةٍ وَتَضَرُّعٍ، وَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ» ، الاستسقاءُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ عندَ الحاجَةِ إليه، فإذا أَجْدَبَتِ الأرضُ، أو انْقَطَعَتِ
(1)
رواه البخاري (997)، ومسلم (901).
(2)
رواه الترمذي (562)، وقال:«حديثٌ حسنٌ صحيح» .
(3)
رواه البخاري (1016)، ومسلم (901).
المياهُ، أو قلَّتْ؛ وَعَظَ الإمامُ النَّاسَ وأَمَرَهُم بالتَّوبةِ والصَّدقةِ ومصالَحَةِ مَن كانَ بينهم وبين أحدٍ مِنَ المسْلمينَ عداوةٌ دنيويَّةٌ، ويَأْمُرُهم بالصِّيامِ ثلاثةَ أيَّامٍ، كما نَقَلَه الشَّافعيُّ رحمه الله عن بعضِ أئِمَّةِ السَّلَفِ، فقال:«وَبَلَغَنا عن بعضِ الأئمَّةِ أنَّه كانَ إذا أرادَ أنْ يَسْتَسْقِيَ أَمَرَ النَّاسَ فصاموا ثلاثةَ أيَّامٍ متتابِعَةٍ، وتَقَرَّبوا إلى اللهِ عز وجل بما استطاعوا مِن خيرٍ ثمَّ خرَجَ في اليومِ الرَّابعِ فاستسقى بهم، وأنا أُحِبُّ ذلك لهم، وآمُرُهُم أنْ يَخْرُجُوا في اليومِ الرَّابعِ صيامًا مِنْ غيرِ أنْ أُوجِبَ ذلك عليهم، ولا على إمامِهِم»
(1)
.
وكذلك يَخْرُجُونَ في ثيابِ بِذْلَةٍ، وهي ثيابُ المهنةِ والخدمةِ؛ ليَكونوا على هيئةِ السَّائلِ، وعليهم السَّكينةُ في مِشيتِهِم، وكلامِهِم وجلوسِهِم.
يقولُ إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كِنانَةَ: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن صلاةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الاستسقاءِ، فقال:«خَرَجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم متواضعًا متبذِّلًا متخشِّعًا مترسِّلًا متضرِّعًا، فصلَّى رَكْعَتَيْنِ كما يصلِّي في العيدِ»
(2)
.
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ زيدِ بنِ عاصمٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه: «خَرَجَ
(1)
«الأُم» (1/ 283).
(2)
رواه أحمد (2039)، وأبو داود (1165)، والترمذي (558)، والنسائي (1508)، وابن ماجه (1266)، وقال الترمذي:«هذا حديثٌ حسنٌ صحيح» ، وقولُه:«مترسِّلًا» ؛ أي: متأنِّيًا، يقال: ترسَّلَ الرَّجُلُ في كلامِهِ ومَشْيِه إذا لم يُعَجِّلْ، وقولُه:«كما يصلِّي العيدَ» ؛ أي: في التَّوقيتِ والكيفيَّةِ، فوقتُها يبدأُ من ارتفاعِ الشَّمسِ قِيدَ رمحٍ إلى الزَّوالِ، ويُكبِّرُ في الرَّكعِة الأولى سبعًا، وفي الثانيةِ خمسًا؛ كما سَبَقَ.
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَستسقي فَتَوَجَّهَ إلى القِبلةِ يدعو وحوَّلَ رداءَهُ ثم صلَّى ركعتينِ جَهَرَ فيهما بالقراءةِ»
(1)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَهُمَا، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ» ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: «خرَجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومًا يَستسقي، فصلَّى بنا ركعتينِ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، ثم خَطَبَنا، ودعا اللهَ، وحَوَّلَ وَجْهَهُ نحوَ القِبلةِ رافعًا يديْهِ، ثُمَّ قَلَبَ رداءَهُ؛ فَجَعَلَ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ»
(2)
.
ويستغفرُ في خُطْبَتَيْهِ بَدَلَ التَّكبيراتِ الَّتي في خُطبتيِ العيدينِ؛ لقولِه تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 10 - 11].
و {مِدْرَارًا} ؛ أي: متواصِلةَ الأمطارِ.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَيَدْعُو بِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلَا تَجْعَلْهَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا مَحْقٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ وبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مُرِيعًا، سَحًّا عَامًّا، غَدَقًا طَبَقًا مُجَلِّلًا، دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ
(1)
رواه البخاري (978)، ومسلم (894).
(2)
رواه أحمد (8310)، وابن ماجه (1268)، وابنُ خُزيمة (1422)، وقولُه:«قَلَبَ رداءَه فَجَعَلَ الأيمنَ على الأيسرِ والأيسرَ على الأيمنِ» ، تفاؤلًا أنْ يَقْلِبَ اللهُ تعالى الحالَ من جَدْبٍ إلى خِصَبٍ.
وَالْبِلَادِ مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُو إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ؛ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا»
(1)
.
قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يدعو الإمام بهذا، ولا وقت في الدعاء، ولا يجاوزه.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَيَغْتَسِلُ فِي الْوَادِي إِذَا سَالَ» ؛ لحديثِ يَزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهادِ رضي الله عنه قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا سالَ السَّيْلُ يقولُ: «اخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الَّذي جَعَلَهُ اللهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ، وَنَحْمَدُ اللهَ عَلَيْهِ»
(2)
.
وقالَ أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه: أصابَنا ونحنُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مطرٌ، فحَسَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثوبَهُ حتى أصابه من المطرِ، فقلنا: يا
(1)
رواه الشَّافعُّي في «الأُم» (1/ 286)، وهو مُرْسَلٌ؛ كما قالَ البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (6443)، و «الظِّرابُ» ، جمعُ ظَرِبٍ، وهي صغارُ الجبالِ، و «الآكامُ» ، جمعُ أَكَمَةٍ، وهي التَّلُّ المرتفعُ مِنَ الأرضِ، و «غيثًا» ، مطرًا، و «مُغيثًا» ، منقِذًا مِنَ الشِّدَّةِ، و «هنيئًا» ، طيِّبًا لا يُنَغِّصُه شيءٌ، و «مَريئًا» ، محمودَ العاقبةِ منمِّيًا، و «مَريعًا» ، مُخَصِّبًا، و «سَحًّا» ، شديدَ الوقوعِ على الأرضِ، و «غدَقًا» ، كثيرًا، و «طبَقًا» ، مستوعِبًا لنواحي الأرضِ، و «مُجلِّلًا» ، يُجَلِّلُ الأرضَ ويَعُمُّها، و «دائمًا» ، مستمرًّا نَفْعُه، و «القانطينَ» ، الآيسينَ بتأخيرِ المطرِ، و «الجَهدُ» ، المشقَّةُ، و «الضَّنْكُ» ، الضِّيقُ والشِّدَّةُ، و «مِدْرارًا» ، متواصلةَ الأمطارِ.
(2)
رواه الشَّافعيُّ في «الأُمّ» (1/ 289)، والبيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (6249)، وقال:«مُنْقَطِعٌ» .