الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ الزَّكاة
الزَّكاةُ في اللُّغةِ: النَّماءُ والزِّيادةُ، يُقالُ: زَكَا الزَّرعُ: إذا نَمَا وزادَ.
وفي الاصطلاحِ: اسمٌ لمالٍ مخصوصٍ، يُؤخَذُ من مالٍ مخصوصٍ؛ على وجهٍ مخصوصٍ، يُصرَفُ لطائفةٍ مخصوصةٍ.
وقد فُرِضَتِ الزَّكاةُ في السَّنةِ الثَّانيةِ مِنَ الهجرةِ، وقُرِنت في القرآنِ بالصَّلاةِ في اثنينِ وثمانينَ موضعًا، وهذَا دليلٌ على كمالِ الاتصالِ بينهما، وأجمعت الأمةُ على أنَّها أحدُ أركانِ الإسلامِ.
والأصلُ في وجوبِ الزَّكاةِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103].
وأحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»
(1)
.
قال أبو شجاعٍ رحمه الله: «تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ؛
(1)
رواه البخاري (1331)، ومسلم (19).
وَهِيَ: الْمَوَاشِي وَالْأَثْمَانُ وَالزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ»، أدلةُ وُجوبِ هذه الأشياءِ المذكورةِ ستأتي في مواضِعِها إن شاء الله تعالى وقد ذكرَها هنا مجملةً ثمَّ فصَّلَها فقالَ:
1 -
«فَأَمَّا الْمَوَاشِي فَتَجِبُ الزَّكاة فِي ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ مِنْهَا؛ وَهِيَ: الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ. وَشَرَائِطُ وُجُوبِهَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمِلْكُ التَّامُّ، وَالنِّصَابُ، وَالْحَوْلُ، وَالسَّوْمُ» ، الأصلُ في وجوبِ الزَّكاةِ في هذه الأجناسِ وشروطِها حديثُ أنسٍ رضي الله عنه أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كتبَ له كتابًا لما وَجَّهَهُ إلى البحرينِ، وفيه: «بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذه فريضةُ الصَّدقةِ التي فرضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على المسلمينَ، والتي أمرَ اللهُ بها رسولَه، فمَن سُئِلَها من المسلمينَ على وجهِها فليُعْطِها، ومَن سُئِل فوقَها فلا يُعْطِ
…
»
(1)
، ثمَّ ذَكرَ فيه هذه الأجناسَ الثَّلاثةَ: الإبلَ، والبقرَ، والغنمَ، وبيانَ أنصبتِها، وما يجبُ فيها، وسيأتِي ذلك في مواضعِه إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
ويُشترطُ لهذا الوجوبِ ستةُ أشياءَ، وهي:
أ- الإسلامُ؛ لأنَّ الكافرَ عملُه مُحْبَطٌ.
ب- الحريَّةُ؛ لأنَّ العبدَ ومالَه لسيدِه.
جـ- المِلْكُ التَّامُّ للقدرةِ على التَّصرُّفِ.
د- بلوغُ المالِ النِّصابَ، وهو القَدْرُ الذي تجبُ فيه الزَّكاُةُ، فلا زكاةَ فيما دُونَهُ، وستأتِي أنصبةُ الأموالِ التي تجبُ فيها الزَّكاُةُ؛
(1)
رواه البخاري (1386).
من المواشِي، والأثمانِ، والزُّروعِ، والثِّمارِ، وعروضِ التِّجارةِ؛ في مواضِعِها بالتَّفصيلِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
هـ- مرورُ الحولِ: وهو أنْ يمضِي على تملُّكِ هذا المالِ عامٌ قمَريٌّ؛ لحديثِ عليٍّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ»
(1)
.
و- السَّوْمُ: وهو الرَّعْيُ للماشيةِ في كلإٍ مباحٍ، كلَّ الحولِ أو أكثرَه، بخلافِ المعلوفةِ معظمَ الحَوْلِ، فلا زكاةَ فيها؛ لكثرةِ المُؤْنَةِ.
2 -
«وَأَمَّا الْأَثْمَانُ فَشَيْئَانِ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمِلْكُ التَّامُّ، وَالنِّصَابُ، وَالْحَوْلُ» ، الأصلُ في وجوبِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفضَّةِ أدلَّةٌ كثيرةٌ، منها: قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34]، قال ابنُ عمرَ رضي الله عنهما:«مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ»
(2)
.
وحديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا
(1)
رواه أبو داود (1573)، وحسنه ابن حجر في «بلوغ المرام» (ص: 174).
(2)
رواه البخاري (1339).
جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»
(1)
.
وستأتي أنصبتُها، وما يجبُ فيها؛ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
3 -
«وَأَمَّا الزُّرُوعُ فَتَجِبُ الزَّكاةُ فِيهَا بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ، وَأَنْ يَكُونَ قُوتًا مُدَّخَرًا، وَأَنْ يَكُونَ نِصَابًا وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَا قِشْرَ عَلَيْهَا» ، تجبُ الزَّكاةُ في الزُّروعِ بشرطِ أنْ تكونَ مما يَزرعُ جنسَه الآدميُّونَ؛ مما يُقتاتُ في حالِ الاختيارِ، ويمكنُ ادخارُه دونَ أنْ يَفسدَ؛ كالقمحِ والشَّعيرِ والأرزِ والذُّرةِ والفولِ والْحِمَّصِ واللُّوبْيَا والْعَدَسِ وما أشبهَ ذلك، وستأتِي أنصبتُها، وما يجبُ فيها في موضعِها إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
ومن أدلةِ الوجوبِ قولُه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثمرِهِ إِذَا أَثمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].
قال الشافعيُّ رحمه الله: «أمرَ اللهُ عز وجل أنْ يُؤتَى حقُّه يومَ حصادِه، وهذا دَلالةٌ على أنَّه إنَّما جعلَ الزَّكاةَ على الزَّرعِ»
(2)
.
4 -
«وَأَمَّا الثِّمَارُ فَتَجِبُ الزَّكاة فِي شَيْئَيْنِ مِنْهَا: ثَمَرَةُ النَّخْلِ،
(1)
رواه مسلم (987)، و «حقَّها»؛ أي: زكاتها.
(2)
«الأم» (2/ 50).
وَثَمَرَةُ الْكَرْمِ، وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمِلْكُ التَّامُّ، وَالنِّصَابُ»، مَن مَلَكَ مِن ثمرِ النَّخلِ والكَرْمِ -وهو العِنبُ- ما تجبُ فيه الزَّكاةُ، وتوفرتْ فيه هذه الشُّروط؛ وجبتْ عليه الزَّكاةُ، ومن الأدلَّةِ على ذلك حديثُ عتَّابِ بنِ أَسيدٍ رضي الله عنه قال:«أمرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ كما يُخْرَصُ النَّخلُ، وتُؤخَذُ زَكاتُه زَبيبًا، كما تُؤخذُ زكاةُ النَّخلِ تمرًا»
(1)
.
وقدْرُ النِّصابِ سيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ووجهُ اختصاصِ التَّمرِ والزَّبيبِ أنَّهما مما يُقْتَاتُ ويُدَّخَرُ.
5 -
«وَأَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ: فَتَجِبُ الزَّكاة فِيهَا بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَثْمَانِ» ، سبقَ الكلامُ عن الشُّروطِ، ومن الأدلَّةِ على وجوبِ الزَّكاةِ في عروضِ التِّجارةِ قولُه تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267]؛
قال مُجاهدٌ رحمه الله: «نزلت في التِّجارةِ»
(2)
.
وَبَوَّبَ البخاريُّ رحمه الله بابًا في «صحيحِه» ، فقال:«بابُ صدقةِ الكسبِ والتِّجارةِ؛ لقولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267]»
(3)
.
(1)
رواه أبو داود (1603)، والترمذي (644)، والنسائي (2618)، وابن خزيمة (2316)، وابن حبَّان (3279)، وقوله:«يُخْرَصُ» ، الخَرصُ: تقديرُ ما يكونُ من الرُّطبِ تمرًا، ومن العنبِ زبيبًا.
(2)
رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (22192)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (7387).
(3)
«صحيح البخاري» (2/ 523).