المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتابُ الحُدُود الحدودُ في اللُّغةِ: جمعُ حَدٍّ، وهو المنعُ، ومنه سُمِّيَ - إتحاف الأريب بشرح الغاية والتقريب

[أبو المعاطي الشبراوي]

فهرس الكتاب

- ‌تَرْجَمَةُ أبِي شُجَاعٍ الأصْبَهَانِيُّ رحمه الله

- ‌اسْمُه ونَسَبُه:

- ‌من مؤلَّفاتِه:

- ‌مُقَدِّمِةُ صَاحِبِ الْمَتْن

- ‌كتابُ الطَّهارة

- ‌«فَصْلٌ»في أنواع المِياهِ وأقسامِها

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ المَيتةِ وبيانِ ما يَطْهُرُ بالدِّباغ

- ‌«فَصْلٌ»في استعمالِ الأواني

- ‌«فَصْلٌ»في فروضِ الوُضوءِ وسُنَنِه

- ‌«فَصْلٌ»في الاستنجاء

- ‌«فَصْلٌ»في نواقِضِ الوُضوء

- ‌«فَصْلٌ»في موجِباتِ الغُسْل

- ‌«فَصْلٌ»في فرائِضِ الغُسْلِ وسُنَنِه

- ‌«فَصْلٌ»في الاغتسالاتِ المَسْنُونَة

- ‌«فَصْلٌ»في المَسْحِ على الخُفَّيْن

- ‌«فَصْلٌ»في التَّيمُّم

- ‌«فَصْلٌ»في بيانِ النَّجاساتِ وإزالتِهَا

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الحيضِ والنِّفاسِ والاستحاضة

- ‌«فَصْلٌ»في ما يَحْرُمُ على الجُنُبِ والمُحْدِثِ فِعْلُه

- ‌كِتابُ الصَّلاة

- ‌«فَصْلٌ»في مَواقيتِ الصَّلاة

- ‌«فَصْلٌ»في شروطِ وجوبِ الصَّلاة

- ‌«فَصْلٌ»في الصَّلواتِ المَسْنُونَات

- ‌«فَصْلٌ»في شروطِ الصَّلاةِ قبلَ الدُّخولِ فيها

- ‌«فَصْلٌ»في أركانِ الصَّلاة

- ‌«فَصْلٌ»في سُننِ الصَّلاة

- ‌«فَصْلٌ»في هيئاتِ الصَّلاةِ

- ‌«فَصْلٌ»في ما تُخَالِفُ المرأةُ فيه الرَّجُلَ في الصَّلاة

- ‌«فَصْلٌ»في مُبطِلاتِ الصَّلاة

- ‌«فَصْلٌ»في ما تَشْتَمِلُ عليه الصَّلاة

- ‌«فَصْلٌ»في سجودِ السَّهْو

- ‌«فَصْلٌ»في الأوقاتِ الَّتي تُكْرَهُ فيها الصَّلاة

- ‌«فَصْلٌ»في صلاةِ الجماعة

- ‌«فَصْلٌ»في صلاةِ المسافر

- ‌«فَصْلٌ»في صلاةِ الجُمُعة

- ‌«فَصْلٌ»في صلاةِ العِيدين

- ‌«فَصْلٌ»في صلاةِ الكسوفِ

- ‌«فَصْلٌ»في صلاةِ الاستسقاء

- ‌«فَصْلٌ»في صلاةِ الخوف

- ‌«فَصْلٌ»في اللِّباسِ والزِّينة

- ‌«فَصْلٌ»في صلاةِ الجِنازةِ

- ‌كتابُ الزَّكاة

- ‌«فَصْلٌ»في نِصَابِ الإبِل

- ‌«فَصْلٌ»في نِصَابِ البَقَر

- ‌«فَصْلٌ»في نِصَابِ الغَنَم

- ‌«فَصْلٌ»في زكاةِ الخَلِيطَيْن

- ‌«فَصْلٌ»في زكاةِ الذَّهَبِ والفِضَّة

- ‌«فَصْلٌ»في زكاةِ الزُّرُوعِ والثِّمَار

- ‌«فَصْلٌ»في زكاة عروض التجارة

- ‌«فَصْلٌ»في زكاة المَعْدِن والرِّكاز

- ‌«فَصْلٌ»في زكاةِ الفِطْر

- ‌«فَصْلٌ»في مصارف الزكاة

- ‌كتابُ الصِّيام

- ‌«فَصْلٌ»في مفسداتِ الصوم

- ‌«فَصْلٌ»في الاعتكاف

- ‌كتابُ الحَج

- ‌«فَصْلٌ»في العمرة

- ‌«فَصْلٌ»في محظوراتِ الإحرام

- ‌«فَصْلٌ»في الدِّماءِ الواجبةِ في الإحرام

- ‌كتابُ البُيُوعِ وغيرِها مِنَ المُعامَلات

- ‌«فَصْلٌ»في الرِّبَا

- ‌«فَصْلٌ»في الخِيَار

- ‌«فَصْلٌ»في السَّلَم

- ‌«فَصْلٌ»في الرَّهْن

- ‌«فَصْلٌ»في الحَجْر

- ‌«فَصْلٌ»في الصُّلح

- ‌«فَصْلٌ»في الحَوَالَة

- ‌«فَصْلٌ»في الضَّمَان

- ‌«فَصْلٌ»في الكَفَالَة

- ‌«فَصْلٌ»في الشَّرِكَة

- ‌«فَصْلٌ»في الوَكَالَة

- ‌«فَصْلٌ»في الإقْرَار

- ‌«فَصْلٌ»في العارِيَّة

- ‌«فَصْلٌ»في الغَصْب

- ‌«فَصْلٌ»في الشُّفْعَة

- ‌«فَصْلٌ»في القِرَاض

- ‌«فَصْلٌ»في المُسَاقَاة

- ‌«فَصْلٌ»في الإجَارَة

- ‌«فَصْلٌ»في الجعَالَة

- ‌«فَصْلٌ»في المُزَارَعَة

- ‌«فَصْلٌ»في إحياءِ المَوَات

- ‌«فَصْلٌ»في الوقف

- ‌«فَصْلٌ»في الهِبَة

- ‌«فَصْلٌ»في اللقطة

- ‌«فَصْلٌ»في اللَّقِيط

- ‌«فَصْلٌ»في الوَدِيعَة

- ‌كتابُ الفَرَائِضِ والوَصَايَا

- ‌«فَصْلٌ»في الحَجْب

- ‌«فَصْلٌ»في أقربِ العَصَباتِ

- ‌«فَصْلٌ»في الفروضِ المذكورةِ في كتابِ اللهِ تعالى

- ‌تَتِمَّةٌ في تأصيلِ المسائلِ وتصحيحِها:

- ‌«فَصْلٌ»في الوَصِيَّة

- ‌كتابُ النِّكاحِ وما يَتعلَّقُ بِهِ مِنَ الأحكامِ والقَضَايَا

- ‌«فَصْلٌ»في ما يُشْتَرَطُ لصحَّةِ عَقدِ النِّكاح

- ‌«فَصْلٌ»فِي المُحَرَّمَاتِ مِن النِّسَاء

- ‌«فَصْلٌ»في تسميةِ المَهر

- ‌«فَصْلٌ»في الوَليمَة

- ‌«فَصْلٌ»في عِشْرَةِ النِّسَاء

- ‌«فَصْلٌ»فِي الخُلْع

- ‌«فَصْلٌ»في الطَّلَاق

- ‌«فَصْلٌ»فِي طلاقِ الحُرِّ والعَبْد

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الرَّجْعَة

- ‌«فَصْلٌ»في الإيلاء

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الظِّهار

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ اللِّعَان

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ العِدَّة

- ‌«فَصْلٌ»في أنواعِ المعتدَّةِ وأحكامِها

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الاسْتِبْرَاء

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الرَّضَاع

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ نفقةِ الأقاربِ

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الحَضَانَةِ

- ‌كتابُ الجِنَايَات

- ‌«فَصْلٌ»في شَرَائِطِ وُجُوبِ القِصَاص

- ‌«فَصْلٌ»في بيانِ أحكامِ الدِّيَة

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ القَسَامة

- ‌كتابُ الحُدُود

- ‌«فَصْلٌ»في حَدِّ القَذْفِ

- ‌«فَصْلٌ»في حَدِّ شُرْبِ الخَمْر

- ‌«فَصْلٌ»في حَدِّ السَّرِقَة

- ‌«فَصْلٌ»في حَدِّ الحِرابة

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الصِّيَال

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ قتالِ أهلِ البَغْي

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الرِّدَّة

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ تاركِ الصَّلاة

- ‌كتابُ الجِهَاد

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الغَنِيمَة

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الفَيْء

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الجِزْيَة

- ‌كتابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِح

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الأطعمة

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الأُضْحِيَة

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ العَقِيقَة

- ‌كتابُ السَّبْقِ والرَّمي

- ‌كتابُ الأَيْمَانِ والنُّذُور

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ النَّذر

- ‌كتابُ الأقْضِيَةِ والشَّهَادَات

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ القِسْمَة

- ‌«فَصْلٌ»في أحكام البَيِّنَة

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الشَّهادات

- ‌«فَصْلٌ»في حقوقِ الله تعالى وحقوقِ الآدمين

- ‌كتابُ العِتْق

- ‌«فَصْلٌ»في أحكامِ الوَلَاء

- ‌«فصل»في أحكام التَّدْبِير

- ‌«فَصْلٌ»في أحكام الكِتَابَة

- ‌«فَصْلٌ»في أحكام أمهات الأولاد

الفصل: ‌ ‌كتابُ الحُدُود الحدودُ في اللُّغةِ: جمعُ حَدٍّ، وهو المنعُ، ومنه سُمِّيَ

‌كتابُ الحُدُود

الحدودُ في اللُّغةِ: جمعُ حَدٍّ، وهو المنعُ، ومنه سُمِّيَ كلٌّ من البوَّابِ والسَّجَّانِ حدَّادًا؛ لمنعِ الأوَّلِ من الدُّخولِ، والثَّاني من الخروجِ.

وفي الاصطلاحِ: عقوبةٌ مقدَّرةٌ على ذنبٍ وَجَبَتْ حقًّا للهِ تعالى كما في الزِّنا، أو اجْتَمَعَ فيها حَقُّ اللهِ تعالى وحَقُّ العبدِ كالقذفِ.

وإقامةُ الحدودِ فرضٌ على وليِّ الأمرِ، ودليلُ ذلك قبْلَ الإجماعِ آياتٌ، منها قولُه تعالى في حدِّ الزِّنا:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وفي حَدِّ السَّرقةِ:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وفي حدِّ القذفِ:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4]، وفي حَدِّ الحِرابةِ وقَطْعِ الطَّريقِ:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33].

ومن السُّنَّةِ أحاديثُ، منها حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: أتى رَجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو في المسجدِ، فناداه فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي زنيتُ، فأَعْرَضَ عنه، حتَّى رَدَّدَ عليه أربعَ مرَّاتٍ،

ص: 379

فلمَّا شَهِدَ على نفْسِه أربعَ شهاداتٍ، دعاه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقالَ:«أَبِكَ جُنُونٌ؟!» ، قالَ: لا، قالَ:«فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟!» ، قالَ: نَعَمْ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: فكنتُ فيمن رَجَمَه، فرجمناه بالمصلَّى، فلمَّا أَذْلَقَتْهُ الحجارةُ هَرَبَ، فأدركناه بالحَرَّةِ، فرجمناه

(1)

.

وحديثُ بُرَيْدَةَ بنِ الحصيبِ رضي الله عنه أنَّ امرأةً من غامدٍ جاءت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقالت: إنِّي لحُبلى؛ أيْ: من الزِّنا، فقال صلى الله عليه وسلم:«اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي» ، فلمَّا ولدت أتته بالصَّبيِّ في خِرْقَةٍ، وقالت: هذا قد وَلَدْتُه، قالَ:«اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ» ، فلمَّا فَطَمَتْه أتته بالصَّبيِّ في يدِه كِسرةُ خبزٍ، فقالت: هذا يا نبيَّ اللهِ قد فَطَمتُه، وقد أَكَلَ الطَّعامَ، فدَفَعَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّبيَّ إلى رَجُلٍ من المسْلمينَ، ثمَّ أمَرَ بها فَحُفِرَ لها إلى صَدْرِها، وأَمَرَ النَّاسَ فرجموها

(2)

.

وحديثُ أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ رضي الله عنهما قالا: كنَّا عندَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقامَ رجلٌ، فقالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ إلَّا قضيتَ بيْنَنا بكتابِ اللهِ، فقامَ خَصْمُه وكانَ أَفْقَهَ منه، فقالَ: اقضِ بيننا بكتابِ اللهِ، وأذنْ

(1)

رواه البخاري (4970)، ومسلم (1691). والرَّجلُ الذي جاءَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ هو ماعزُ بنُ مالكٍ الأسلميُّ رضي الله عنه، وقولُه صلى الله عليه وسلم:«فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟!» ؛ أي: فهل تَزَوَّجْتَ، وقولُ جابرٍ رضي الله عنه:«فرجمناه بالمصلَّى» ؛ أيْ: مكان صلاةِ العيدِ، وقولُه:«أَذْلَقَتْه الحجارةُ» ؛ أي: أصابتْه بحدِّها، وقولُه:«فأدركناه بالحَرَّةِ» ؛ الحَرَّةُ: هي موضعٌ بالمدينةِ ذو حجارةٍ سوداء.

(2)

رواه مسلم (1695).

ص: 380

لي، قال صلى الله عليه وسلم:«قُلْ» ، قال: إنَّ ابني كانَ عَسيفًا على هذا، فزنى بامرأتِه، فافتديتُ منه بمائةِ شاةٍ وخادمٍ، ثمَّ سألتُ رجالًا من أهلِ العلمِ فأخبَروني أنَّ على ابني جَلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍّ، وعلى امرأتِه الرَّجمَ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ- المِائَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، فغدا عليها فاعترفتْ فرَجَمَها

(1)

.

قال أبو شجاع رحمه الله: «وَالزَّانِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُحْصَنٌ وَغَيْرُ مُحْصَنٍ، فَالْمُحْصَنُ: حَدُّهُ الرَّجْمُ، وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ حَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ» ، الزِّنا في اللُّغةِ: الرُّقِيُّ على الشَّيءِ، يقالُ: زنى في الجبلِ إذا صَعِدَه. وفي الاصطلاحِ: إيلاجُ حَشَفَةِ الذَّكرِ الأصليِّ أو قَدْرِها عندَ فَقْدِها في قُبُلٍ واضحِ الأنوثةِ مُحَرَّمٍ، خالٍ عن الشُّبهةِ، مشتهًى طبعًا بأن كانَ فَرْجَ آدميٍّ حيٍّ. والإحصانُ في اللُّغةِ: المنعُ، ومنه قولُه تعالى:{فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} [الحشر: 14]؛ أي: مانعةٍ، وفي الاصطلاحِ: جاءَ بمعنى الإسلامِ، والحرِّيَّةِ، والعفَّةِ، والتَّزويجِ، ووطءِ المكلَّفِ الحُرِّ في نِكاحٍ صحيحٍ، والمرادُ هنا هو المعنى الأخيرُ

(2)

.

(1)

رواه البخاري (6440)، ومسلم (1697)، وقولُه:«أَنْشُدُكَ اللهَ» ؛ أي: أُقْسِمُ عليك باللهِ، و «أَفْقَهُ منه»؛ أيْ: أَكْثَرُ منه فهمًا، و «عَسيفًا»؛ أي: أَجيرًا، و «أُنَيْسٌ» هو ابنُ الضَّحَّاكِ الأسلميُّ رضي الله عنه.

(2)

ومن مجيءِ الإحصانِ بمعنى الإسلامِ؛ قولُه تعالى في حقِّ الإماء: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النِّساء: 25]؛ قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «إحصانُها إسلامُها» ، ومن مجيئِه بمعنى الحرِّيَّةِ؛ نفسُ الآيةِ فإنَّ المعنى فإذا أَسْلَمَتِ الأمَةُ ثم زنت فعليها نصفُ ما على الحُرَّةِ من العقوبةِ، ومن مجيئِه بمعنى العِفَّةِ {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النِّساء: 24]؛ أي: أعفَّاءُ غيرُ زناةٍ، ومن مجيئِه بمعنى الزَّوجيَّةِ؛ قولُه تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ

} [النِّساء: 23]؛ إلى قولِه تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النِّساء: 24]؛ أيِ: المزوَّجاتِ.

ص: 381

فالزَّاني الذي يَجِبُ حَدُّه على ضربينِ: مُحْصَنٌ؛ وهو ما تَوَافَرَتْ فيه شروطُ الإحصانِ، وغيرُ مُحْصَنٍ وهو من لم يَسْتَكْمِلْها.

فإذا زَنَى الحُرُّ المُحْصَنُ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- فحَدُّه الرَّجْمُ حتَّى الموتِ، وقد سَبَقَتِ الأحاديثُ الدَّالَّةُ على ذلك في قِصَّةِ ماعزٍ والغامديَّةِ والعَسيفِ، وقال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه:«إنَّ اللهَ قد بَعَثَ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بالحَقِّ، وأَنْزَلَ عليه الكِتابَ، فكانَ ممَّا أَنْزَلَ عليه آيةُ الرَّجمِ، قرأناها ووَعَيْنَاها وعَقَلْنَاها، فَرَجَمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ورَجَمْنَا بعدَه، فأخشى إن طالَ بالنَّاسِ زمانٌ أن يقولَ قائلٌ: ما نَجِدُ الرَّجمَ في كتابِ اللهِ فيَضِلُّوا بتركِ فريضةٍ أَنْزَلَها اللهُ، وإنَّ الرَّجمَ في كتابِ اللهِ حقٌّ على مَن زنى إذا أَحْصَنَ من الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامت البيِّنةُ، أو كانَ الحبَلُ، أو الاعترافُ»

(1)

.

وإذا زنى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- فحدُّه مائةُ

(1)

رواه البخاري (6442)، ومسلم (1691). وقولُه رضي الله عنه:«فكانَ مما أُنْزِلَ عليه آيةُ الرَّجمِ» ؛ أرادَ بآيةِ الرَّجمِ: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، كما جاءَ في روايةِ أحمد (21245)، والنَّسائي في «السُّنن الكبرى» (7112)، وهذا ممَّا نُسِخَ لفظُه وبقيَ حُكمُه.

ص: 382

جلدةٍ وتغريبُ عامٍ؛ لقولِه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2].

ولقولِه صلى الله عليه وسلم في حديثِ العَسيفِ: «وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ»

(1)

.

ويَكونُ التَّغريبُ من بلدِ الزِّنا إلى مسافةِ القصرِ فما فوقَها؛ لأنَّ ما دُونَها في حُكمِ الحَضَرِ؛ لتواصُلِ الأخبارِ فيها إليه، ولأنَّ المقصودَ إيحاشُه بالبُعدِ عن الأهلِ والوطنِ.

قال أبو شجاع رحمه الله: «وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ أَرْبَعَةٌ:

1، 2 - الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ»؛ فلا حدَّ على صبيٍّ ولا مجنونٍ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ»

(2)

، لكنَّهما يؤدَّبانِ بما يَزْجُرُهما عن الوقوعِ في الزِّنا.

3 -

«وَالْحُرِّيَّةُ» ؛ لأنَّ الرَّقيقَ على النِّصفِ من الحُرِّ، والرَّجمُ لا نِصْفَ له.

4 -

«وَوُجُودُ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ» ؛ وذلك بغيبوبةِ الحَشَفَةِ أو قَدْرِها عِنْدَ فَقْدِها من مُكَلَّفٍ، في قُبُلٍ، وذلك لأنَّ الشَّهوةَ مركَّبةٌ

(1)

رواه البخاري (6440)، ومسلم (1697).

(2)

رواه أبو داود (4401)، وابن خزيمة (1003)، وابن حبَّان (143)، والحاكم (949)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.

ص: 383

في النَّفسِ، فإذا أصابَ في النِّكاحِ الصَّحيحِ فقد نالَ اللَّذَّةَ، وقضى الشَّهوةَ، ولا فَرْقَ في الإصابةِ بيْنَ أن يَقَعَ في حالِ الإباحةِ، أو حالِ الحظرِ كما لو كانَ في نهارِ رمضانَ أو إحرامٍ.

قال أبو شجاع رحمه الله: «وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ حَدُّهُمَا نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ» ، وهو خَمسونَ جَلدةً لقولِه تعالى:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، والمرادُ الجَلْدُ؛ لأنَّ الرَّجْمَ قتْلٌ، والقتلُ لا يَتَنَصَّفُ.

قال أبو شجاع رحمه الله: «وَحُكْمُ اللِّوَاطِ وَإِتْيَانِ الْبَهَائِمِ كَحُكْمِ الزِّنَا» ، اللِّواطُ: هو إيلاجُ الحشَفَةِ أو قَدْرِها في دُبُرِ ذَكَرٍ أو أُنثى غيْرِ زَوْجَتِهِ وأَمَتِهِ، وفيه وجوبُ الحدِّ كالزِّنا، فيُرْجَمُ الفاعلُ المُحْصَنُ، ويُجْلَدُ ويُغَرَّبُ غيرُ المُحْصَنِ، وخَرَجَ بقيدِ غيرِ زوجتِه وأَمَتِه اللِّواطُ بهما، فلا حَدَّ عليه فيهما؛ ولكن يُعَزَّرُ، وكذلك إتيانُ البهائمِ على المَذْهَبِ، وهناك قولٌ آخَرُ، وهو أنه يُعَزَّرُ ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّ فِعْلَه مما يَنْفُرُ منه الطَّبْعُ السَّليمُ، فلم يَحْتَجْ إلى زاجرٍ

(1)

.

قال أبو شجاع رحمه الله: «وَمَنْ وَطِئَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ عُزِّرَ» ، من باشَرَ فيما دُونَ الفَرْجِ بمفاخَذةٍ، أو معانَقةٍ، أو تقبيلٍ أو نحوِ ذلك؛ فإنه يُعَزَّرُ بما يراه الإمامُ من ضربٍ، أو نفيٍ، أو توبيخٍ.

قال أبو شجاع رحمه الله: «وَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَدْنَى الْحُدُودِ» ؛

ص: 384